العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٤٠٨قال الإمام – رحمه الله- : " و في الأثر ما [ نصه] وسألته عمن يتوب فقال : استغفر الله مِنْ كُلِّ ما دِنْتُ به من الباطل ، و من جميع ما خالفت فيه الحقِّ ، أيجزيه ذلك إذا كان قد دان بشيء من الباطل أو تولى عدواً أو عادى ولياً ؟ قال : يجزيه ذلك إذا كان تَدَيُّنُهُ من جهة خطأ أو قذف ، وقال مَنْ قال : لا يجزيه في هذا ، وإن كان تدينه بشيء من البدع والضلال ، فذلك لا يجزيه حتى يتوب من ضلالته تلك بعينها إلا أن يكون نسيه وقد تاب من جميع ذلك ، فإن ذلك يجزيه فيما بينه و بين الله " .
قال الإمام : " ففي هذا الأثر تفصيل بَيْنَ ما إذا كان المستحل من أحد الفرق الضالة المعتقدة لاستحلال ما حرم الله كالأزارقة ، و بين ما إذا كان أصله من أهل الاستقامة فاستحل شيئاً في دين الله هو حرام بدليل في زعمه فاجتزى بالإجمال في حق هذا الأخير بعض ، ولم يجتز البعض الآخر ، و أما المستحل الأول فلم يَحْكِ فيه إلا عدم الاجتزاء بالإجمال قولاً واحداً .
ومَنْ أتى شيئاً فيه حقوق العباد كأخذ المال الغير ، أو ارتكاب فرج محرم غصبا ، أو كان تأثير في نفس بما لا يَحِلُّ و نحو ذلك ، فإِمَّا أن يأتيه ذلك الفاعل وهو معتقد حرمته فعليه مع التوبة غرمه لصاحبه ، و لا تجزيه التوبة وحدها إن كان قادراً على [354] الغرم ، أما إذا كان غير قادر كما إذا تَعَذَّرَ عليه وجود صاحبه ، أو تَعَذَّرَ عليه وجود ما يتخلص به ، فإنه يجب عليه حينئذ أن يعتقد الخلاص منه عند القدرة عليه ، فإن حضره الموت ولم يَجِدْ إلى التخلص سبيلاً ، و جبت عليه الوصية به ، و لا شيء عليه فوق ذلك " ، أي أن ذلك هو نهاية ما عليه ، و ذلك المستطاع في حقه ، " أَمَّا إذا كان أتاه وهو يعتقد حِلَّهُ ، فحكمه بعكس من أتاه و هو يعتقد حرمته ، أي فتجزيه التوبة من ذلك الشيء دون غرمه ، سواء كان قائماً في يده أو كان قد أتلفه "(1) اهـ بتصرف يسير .
(1) مشارق أنوار العقول ( 2/388 -390 )