العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٤٣١فافهم لا سيما أن بين هذه الفرق اختلافات كثيرة مما يدل على أنها فرق لا فرقة ، و الاختلاف المشار إليه في الأصول والفروع أيضا ، كما هو معروف ، و لولا أنه يطول بنا في هذا المقام لأوردناه لك حتى تطمأن فالحديث ينص على أن الناجية واحدة فقط ، و هي ما عليه هو و أصحابه – صلى الله عليه و سلم – ، وهل ما عليه هو و أصحابه عليه كل هذه الفرق ؟ ذلك ما لا يعقل ، و فيه رد على الحديث الذي أوجب النجاة لفرقة واحدة ، فلتعرض كل واحدة ما هي عليه ، و تستعرض ما عليه الرسول صلى الله عليه و سلم ، ثم تنظر هل تتحد معه ؟ لا وربك هذا لا يتأتى حتى في الفروع ، والأخلاق و المعاملات اليسيرة ، و لو شئت لبينت ذلك موزوناً بميزان الشريعة الغراء ، و لأوضحت ذلك جليا ، و لكن هيهات القبول و الرضى ، و عليه فلا [375] ينبغي أن نشتغل بما لا فائدة فيه ، و إن كان واضحاً إلا أن القلوب المستوئبة لا علاج لها ، و الأمر لله عز و جل ، وإذا رأى المخالف الحق أصر و استكبر و أعرض .
الأصول المتناقضة لا يمكن البناء عليها
قال الإمام الناظم – رحمه الله- :
73- و العقلُ لا يقبلُ ما قالوهُ قَدْ حَرَّمَ اللهُ ويفعلوهُ
74- لو كان باستحلالِ ما قَدْ حَرُمَا يُثيبُ فالشرعُ إذا تهدَّما
75- يحرِّمُ الشيءَ و يؤْجَرنَّا عليهِ كلَّا بَلْ يُعذِّبنا
76- و الاعتقادُ لحلالهِ فَلا يزيدُهُ إلَّا ضلالاً ضُلِّلا
[الشرح ]
اعلم أن التحليل و التحريم هما من الله عز و جل ليس للعقل فيهما دخل ، و لم يجعل الله عز وعلا لبشر و لا لملك أن يحلل أو يحرم ؛ فإن التحليل و التحريم أمران تعبديان ، لا يكونان إلا من الملك الأعلى عز و جل " وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ "(1) فسماه كذباً و نهى عنه .
(1) النحل : 116 .