العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٤٣٤و اعلم أن الله هو الذي حرم و حلل ، و هو الذي يكلف عباده ، و لو أن الله يثيب على فعل الحرام لكان ذلك إغراء عليه ، و إذا كان كذلك فلا شرع و لا دين ، و إنما تكون الأشياء رهن الإرادة الإنسانية ، و تبعا للأهواء النفسانية ، إن الله إذا حرم شيئاً لم يحله أحداً من خلقه ، و إلا كان شارع من عنده لا من عند ربه ، و الله لم يفوض ذلك إلى نبي مرسل و لا إلى ملك مقرب .[378]
وقد سمعت عتابه لسيد خلقه محمد عبده و رسوله " وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ "(1) ويثيبهم عليه ، و لا شك أن العقل يرد ما يقول هؤلاء القائلون أن كل مستحل معذور ، و لو صح هذا لكان نجاة لكل ضال ، فإن كل ذي ضلالة يعتقد أنها الحق ، و أن ضدها الباطل ، و لو صح ما يقولون لتداعى البناء الشرعي من أصله ، و انهار الصرح الثابت بالدليل القوي ، فإن كل فرقة من فرق الإسلام تعتقد أنها على صواب فلا هلاك إذاً لواحدة خلاف ما يقول الحديث ، و بذلك ينحل حكم الحديث الثابت ، فإن حكم بالسلامة لواحدة فقط ، فيكون الأمر وهذا حاله في غاية من التعارض ، و الحق لا تعارض فيه .
و إذا حرم الله شيئا ففعله المعتقد لحله يكون في حقه حلالاً ، فحينئذ كل شيء حلال خلاف ما يقول القرآن ، بل و على فعله الثواب ، فينقلب الأمر رأساً على عقب تعالى الله و عز أمره .
و هل يقبل عاقل أن الله يرضى بهذا ؟ فيكون رضاه في مخالفته ! فإنه من الفساد بمكان ، و الواقع أن الله عز وعلا إذا حرم شيئاً أوجب عليه عقاباً كلا بحسبه ، و حكم على مرتكبه بعذاب أليم ، و المعتقد لمحرمات الله تعالى حلالاً يضل بذلك ضلالاً بعيداً ؛ لأنه عارض ربه في حكمه ، و ارتكب الإثم بفعله ، فهو واقع في أمرين عظيمين .
(1) الزمر : 7 .