العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٤٩فهذا قانون الإباضية مع أهل " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، فَخُذْهُ مثالاً صادقاً لا تَجِدُ له ما يفنده ، و إِنْ شئت استعرض به آثار الإباضية تجد عنوانها هذا ، و قانونها المعروف ، لا كما يقول الغامزون في مذهب الإباضية لِغَرَضٍ فاسدٍ .
و انظر في فتاوى إمام الإباضية ، و عُمْدَة مذهبهم ، أبي الشَّعَثاء جَابِر بن زيد - رحمه الله - و قد وَثَّقَهُ الكُلُّ، و اعتمد عليه أهل العلم ، و قَلَّ أن يخلو مُؤلَّفٌ من مُؤلَفَات المسلمين على اختلاف مذاهبهم ، و تباين منازعهم ، إلا و جابر بن زيد جمال ذلك المؤلف ، و لم يعرف في فتاوى الإمام المذكور ، و لا في منقولاته شيء عن هذا الذي يقال ، و هو تلميذ ابن عباس - رضى الله عنهما - و كان تابعياً كبيراً ، ولد سنة22 للهجرة ، و توفي سنة 96 منها ، و قيل سنة 103 ، و الشهير الأول .
وقد كان مُعَاصراً للخلاف الذي وقع بين علي بن أبي طالب ، و أصحابه من الصحابة الذين تحيزوا عنه بالنَّهروان ، فحمله قومه الطغاة كالأشْعَث بن قَيْس الكندي ، عميل معاوية ، و دسيسته على علي بن أبي طالب ، و كان جابر بن زيد يرى بطلان التحكيم ، كما رآه علي بن أبي طالب ، لكن كان الرأي الفعَّال ما يراه الجيش لا ما يراه الإمام ، فإنه سار إلى النهروان ليتفق مع إخوانه ، و ترتبت القضية على ذلك بعد مراسلات ، و مخابرات من صلحاء المسلمين ، كما ذكرناها في التاريخ .
و كان الأشعث و أعوانه يرون أَنَّ الذين اجتمعوا بالنَّهْرَوَان هم الخطر على معاوية إن كانوا مع على بن أبي طالب ، أو [37] كانوا وحدهم فهم أعداء معاوية - الذي شَقَّ عصا المسلمين ، ورام فتنتهم ليتسلط على الأمر - فحمل علياً المسير إلى القوم ، بأي صفه تكون ، و هو يعمل الحِيلَةَ ، مُتَظَاهراً بنُصْرَة علي ، و مُتَسَتِراً بالعمل لمعاوية ، لأنَّ أهل الدنيا يعرفون أصحابهم من غيرهم ، كما كان عمرو بن العاص .