العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٥و لمَّا سَمِعَ طَعْنَ الأغبياء ، و تبجُّحَهُم بمذاهبهم المنهارة ، وتعاظمهم بين مَنْ هم مِنْ أضرابهم ، حَرَّكَتُهُ عزيمة الإيمان القوي ؛ فقام سهماً نافذاً في أكباد الطاعنين ، و قبساً ساطعاً تَرْجِعُ به حَسْرَى أعين المتبجِّحين ، و دعامةً كبرى لا تزعزع بِهَيْشَات(1) الفاسقين .
فأرهف حدَّ القلم القاطع لأعناق أُسْطُورَات المُتَفَيْهِقِين ، كاشفاً عن سوءاتهم المستورة بأهواء الادَّعاء ، و واضعاً للمسلمين أركاناً يأوي إليها كل متحيز للحقِّ في ميادين المهتدين .
فلا غَرْوَ أَنَّ كشف حقيقة هذا المذهب الصَّالح الصَّادق ، الذي لا يَصُدُّ عنه إلا كُلُّ منافقٍ و مارقٍ ، و لا يقدح فيه إلا كل معاندٍ مشاققٍ :
وإِذا أرادَ اللّهُ نشرَ فضيلةٍ طويتْ أتاحَ لها لسانَ حسود(2)
فقام ينكرها ليقوم [4] لها من يَنْشُرُها .
و إذا أَفَلَ نجم حقٍّ من هذا الأُفُقِ الإسلامي الصحيح أطلع الله أَنْجُماً تضيء عالم الكون بأجلى المصابيح .
فالإباضية زينة الإسلام ؛ لذلك يعاديهم فيه حاسدهم من الأنام ، و هم عُمْدة الحقِّ الصَّادق أصلاً و فرعاً ؛ لذلك يناويهم عليه كائدوهم ، و قد قرن الله الأنبياء بشياطين الجن و الإنس كما صَرَّحَ به في الكتاب العزيز المقدس الصحيح(3)
(1) الهَيْشُ : الإفساد و التحرك و الإكثار من الكلام ( القاموس المحيط / 788) مادة ( هـ ي ش ) .
(2) البيت لأبي تمام من قصيدة مطلعها :
أَرْأَيتَ أَيّ سَوَالف و خُدُود عَنَّت لنا بين اللِّوى فَزَودِ
أَتْرَابُ غَافلة اللَّيالي ألَّفّت عقد الهَوى في يَارق و عُقُودِ
انظر شر ح ديوان أبي تمام للتبريزي ( 1/ 213) .
(3) في قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ )) الأنعام:112.