العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٥١و إنما الجور و الظلم و البغي من النهروانيين !! ، إذ قتلوا امرأة و زوجها على فرض الصِّحة ، و حاشا القوم أن يكونوا فعلوا شيئاً من ذلك ، إذ ذلك من أفعال السِّباع ، لا من أفعال الذين أَكَلَتْ الأرض جباههم ، و جنوبهم ، عند الركوع ، و السجود .
انظر أيها العاقل كيف يفعل أهل الدنيا بأهل الدين لأجل دُنْيَاهم !!.
أما علي بن أبي طالب في نفسي أُكْرِمُهُ عن ذلك ، و إنَّما الرجل يُخْدَعُ بالأكاذيب فيظنُّ الصدق ، و عندما يقع في الأمر يحتار ، و لعله يكله إلى المبتلى به،و يتذرع بذلك .
فإنَّه منذ بداء أمره على هذا الأسلوب ، يرى الأمر له ، و إذا به في غير شيء، و كان مُغْرَماً بالخلافة ، فابتلي بها فلم تستقم له ، و عَاصَت(1) عليه ، و لم يستقر قرار ، فلا فتوح و لا قرار للمسلمين من أول يوم .
و هذا التاريخ شاهد بما قلنا ، ومَنْ رَامَ التحقيق فهو واضح لا يخفى على أحد، وقد صَرَّحَ الحسن البصري بما صرح به بقية أهل العلم ، و قد سمعت ما قال المذكور في كامل المبرد ، حتى قال عنه أنه كلام جافٍ(2) :
وَ مِنَ البَليَّةِ عَذْلُ مَنْ لا يَرْعَوِى عَنْ غَيِّهِ و خِطَابُ مَنْ لا يَفْهَمُ(3)
[كُفْرُ النَّعْمةْ و أصله من التَّّشريع ]
و أمَّا التكفير الذي يذكرونه عن الإباضية ، فإنَّهم لم يفهموا قواعد اللغة ، و لو فَهِمُوا لَحَكَمُوا بمقتضاها أو فهموا ، و لكن كانت لهم أغراض سياسية مَشَوا عليها ، و هو الواضح .
(1) عَاصَت : أي اشتدت عليه ، يقال اعتصت النواة أي اشتدت ، و تعصَّى الأمر إذا اشتد ( القاموس المحيط ،ص 1692) مادة (ع ي ص ) .
(2) الكامل في اللغة و الأدب ( 2 / 114 ) .
(3) البيت للمتنبي من قصيدة مطلعها :
لهوى النفوس سريرة لا تعلم عَرَضا نظرتُ و خلتُ أني أسلمُ
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى لأخوك ثمَّ أرقُّ منك و أرحمُ
( شرح ديوان المتنبي لبعد الرحمن البرقوني ( 4/ 254) . )