العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٥٩فهذا موقف الإباضية في هذا المقام ، و قد تأسَّس على القواعد الصحيحة من الكتاب و السنة كما عرفت ، فمن أراد الحق فليكن معهم ، و من أراد غيره ، فأمره إليه ، و كلنا كما قيل:
إلى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي * وعندَ اللّهِ تَجْتَمعُ الخُصُومُ(1)
[42] فما معنى إيهام الناس في المجلات و الجرائد أنَّ الإباضية يحكمون بالكفر على الناس ، و ينَوَّهون بذلك بالتشريك المبيح للدم ، و المال ، و السبي للمسلم ، و نحو ذلك ؟؟.
و ما الدَّاعي إلى هذا الافتراء الفاحش الذي يفيد قطع العلاقة بين الإباضية و سائر المسلمين حتى في النكاح و الميراث و غير ذلك ؟؟ ، و لم يَقُلْ به الإباضية ، و لا حكموا به على أحد في الإسلام ، و من يقول عنهم ذلك خارج عليهم ، جارم في مقاله ، آثم إثماً كبيراً ، يهلك به عند الله عز و جل .
فإنَّ الإباضية يأملون لأهل المعاصي الرجوع إلى الله بالتوبة ، و التَّنَصُل من الذنوب ، و بذلك يعفو الله عنهم و يثيبهم ، فيكونون مع إخوانهم في الجنة بفضل الله تعالى و رحمته ، و قد علمت أنَّ باب الجنة مفتوح للعصاة بالتوبة ، ممنوح لمن طلبه من أهل الجرائم و الآثام .
و على كل حال فإنَّ الإباضية يقدمون الكتاب على السنة و غيرها ، إلا إذا لم يجدوا ذلك فيه رجعوا إلى السنة النبوية الصحيحة فحكموا بما تقتضيه ، فإذا لم يجدوا في السنة ذلك حكموا بما أجمع عليه المسلمون ، و إلا اجتهدوا حيث يتعذر وجود النص من الكل ، و ذلك غاية المستطاع ، و الله ولي التوفيق .
المقام الثاني
في بيان معنى الإباضية .
[ قال الناظم : ]
3- فَمَا الإبَاضِيونَ إلاَّ عَلَمَا لِخُلَفَاءِ الحقِّ مِنَّا فاعْلَمَا
4- إنَّ المُخَالِفِينَ قَدْ سَمَّـونَا بِذَاكَ غَيْرَ أَنَّنَا رَضِينَا
[ الشرح ]
(1) قائل البيت أبو العتاهية من قصيدة مطلعها:
أما والله إنَّ الظَّلم لومُ و لكنَّ المسيئ هو الظلومُ
(ديوان أبي العتاهية / 353 ) .