العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٦٥أمَّا غنيمة أموال أهل القبلة فحرام في الحرب و السلم ، و إنما أجاز بعض المسلمين الاستعانة بها في حربهم نظراً منه فقط ، و بعد الحرب إذا خيف منهم التقوي بها إذا رُدَّتْ إليهم ، أجازوا إتلافها حتى لا يتقووا بها ، كما أجازوا هَدْمَ حصونهم ، و كَسْرَ قلاعهم ، و قَطْعَ نخيلهم ، و حَرْقَ مزارعهم ؛ حتى لا تكون قوة لهم على بغيهم ، و ذلك أمر غير مَخْفِيٍّ ، و أصوله من الكتاب واضحة (1)
(1) صاحب هذا الرأي هو الشيخ العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي ، حيث أجاز إتلاف أموال البغاة من أهل القبلة ، و لكن اعترض عليه الشيخ جمعة بن خصيف ، قائلا له : " من أين ينساغ إتلاف أموال المحاربين من أهل القبلة ، و هدم حصونهم ،و في الإجماع أن غنيمة أموالهم حرام ،و في النظر أن تخريبها ، أو تملكها عليهم سيان في إخراجها من ملكهم، فينبغي تسوية الحكم فيها في الوجهين ، إن جاز هذا جاز ذاك، و= = إن منع ذا منع ذاك ، و قد تساوى هذا الحكم في أموال المشركين ، فإن كان مستند الإباحة في تخريب أموال أهل الحرب من بغاة أهل القبلة ، فعل النبي صلى الله عليه و سلم بنخل يهود بني النضير ، فإن أولئك مشركين حلال غنيمة أموالهم ، فما بال أموال أهل القبلة ، لم تحل غنيمتها ، و قد حل تخريبها ، اكشف لنا في ذلك من وجه افتراق الحكم لازلت كشافا للمعضلات ؟ .
فأجاب الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي – رحمه الله – و هذا نص جوابه : " و أين فهمك يا إنسان ، و من أين يصح في النظر أن تخريبها و غنيمتها سيان ، و هما أصلان مختلفان أبدا لا يجتمعان ، قال الله تعالى : " فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله " ، و أجمعت الأمة المحقة من الصحابة و من بعدهم على أن البغاة تعقر خيلهم و ركابهم ،و تقطع أسلحتهم ،و بكسّر ،و تؤخذ عنهم ، فهذا إتلاف للمال .
و لا تقل إن الله تعالى إنما أمر بقتالهم في أجسادهم خاصة ،و ما هذا – لو قيل به – إلا نوع برسام ، و إذا عرفت ذلك فقد ظهر أن إتلاف مال يستعين به البغاة على الحرب جائز ،و ليس هو من باب الغنيمة ، و لا يشبهه ،و بذلك تعرف أن البغاة إذا التجأوا بالحصون و لم يفيئوا إلى أمر الله ، أن هدمها عليهم جائز ؛ لأنه مثل خيلهم و ركابهم ، فيجوز حربهم بالمدافع و المجانيق ،و تخريبها عليهم ،و لا يجوز ترك حربهم قبل أن يفيئوا إلى أمر الله .
و هذا ليس من باب الغنيمة ،و إنما هو من سطوات الله تعالى فيمن ينتقم منه ، من المحاربين لله و لرسوله و الدعاة إلى دينه ، و ليس هذا مشكلا إن أردت البحث ،و إنما المشكل حربهم و الهدم عليهم و قطع المواد عليهم ،و فيهم من يحتمل كونه من النساء و الصبيان و المجانين و المستضعفين في الأرض ، لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا ،و لم يروا ذلك مانعا من جواز الحرب لهم ،و لولا لطف الله و عنايته بالمؤمنين ، لوقع مثله بمكة من النبي صلى الله عليه و سلم ، قال الله تعالى : " و لولا رجال مؤمنون و نساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير " و قال تعالى : " ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما " .
فانظر كيف أخرهم لطفا منه ، و إشفاقا على عباده ، و لم يمنعهم من دخولها و حربها ، و في الظاهر عدم الجواز ، لكن علم الله المصلحة ، فدبر ذلك كما يشاء ،و إن كره المؤمنون ذلك ،و أحبوا غيره ،من فتح مكة في الوقت . =
= و إذا عرفت جواز هدم حصونهم ،و عقر خيلهم و ركابهم ،و إتلاف شوكتهم ،و هي من أعز أموالهم و أشرفها ،و قد عرفت أن مادة هذه الأمور ،و قوة هؤلاء المقاتلة بأموال أخرى ، من عقارات و ضياع أو حيوان أو نقود فيها تقويم جيوشهم ،و شدة شوكتهم ،و اجتماع الناس إليهم و إعانتهم على حرب ربهم ، فأي فرق بينهم و بين حصونهم و خيلهم و أسلحتهم ، أليس الجامع الكلي هو أن كل ما تقووا به على الحرب ،و كان لهم وسيلة إلى العناد ،و سببا للخلاف و الشقاق ، أن إتلافه عليهم جائز ، إذ الحكم فيه على السواء .
و بالجملة .... فقد ورد الأثر بجواز ذلك ،و كفينا مؤونته فلا إشكال ، و إنما بسطناه كذلك لكثرة تحكمكم علينا ، و هذا باب واسع ،و لم نرد الاستقصاء فيه ،و إنما الغرض إيضاح المسألة بما يزيل الإشكال عليك " راجع التمهيد ( 13 / 237- 238 ) .
و قد أوردت جواب الشيخ مع اعتراضه لكشف اللثام ،و تحقيق المقام ، والله يؤتي فضله من يشاء ، والله الموفق .