العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٧١و كان عبدالملك ظهر في أول النصف الثاني من القرن الأول ، و كان مَلِكاً كبيراً ، له سُلطَةٌ [49] عاليةً ، و دولةٌ قاهرةٌ ، فكان مع ذلك عبدالله بن إباض حَجَرَ عَثْرَةٍ لكثير من أغراض عبدالملك المذكور ، و لم يَخْشَ عبدالله بن إباض صولة عبدالملك بن مروان ، و هو السلطان المُسَلَّطُ، و الملك القاهر ، إذ كان كل مقاصد عبدالله بن إباض لله ، و في الله ، فكانت له بذلك شُهْرَةٌ ، أضفت عليه لِبَاسَ زعامة دينية ، تَبِعَهُ عليها أهل الحقِّ فأضيفوا إليه ، و عُرِفُوا به ، فكان سورهم المنيع من جانب السلطان ، و ردءهم المكين ، و رئيس القوم لزعامته القبلية.
ومن هنا تعلم أنَّ هذه الأمة التي أصبحت مشمولة باسمه ، و معروفة بمذهبه ، لم تتلمذ له ، ولم تُقَلِّدْهُ في شيء في تعاليمه ؛ لأنَّ عندها الرجال تُعرف بالحقِّ ، لا الحقَّ بالرجال .
فلم يكن عبدالله بن إباض إمام مذهب خاص أخذ به أتباعه ، و قَلَّدُوهُ فيه ، بل كان هو خاصة يَصْدُرُ عن أهل العلم منهم ، كجابر بن زيد ، و أبي عبيدة ، و إخوانهم ، فلم يكن هو من الشيوخ المؤسسين للمذاهب .
و لا كانت هذه الأمة على كثرتها تُقَلِدُ شيخاً خاصاً في أقواله و أفعاله، فتجعله المصدر لها ، و تعتمد عليه كمرجعٍ خاصٍ لها ، و لو كانت كذلك لكان أبو الشعثاء العالم المجمع على علاميته ، و ثقته ، و عدالته أحقُّ بذلك .
وقد شَهِدَ له كُلُّ من عاصره من أهل الصَّدر الأول من هذه الأمة ، و ناهيك بشهادة ابن عباس – رضي الله عنهما – له كما تداول ذلك أهل العلم ، ما كان محتاجاً لأن تُخْلَقُ له الأحاديث ، أو تُخْتَلَقُ في حَقِّهِ الأكاذيب ؛ لترويج علاميته ، أو تقوم سلطة قهرية تجبر الناس على أقواله ، و على الأخذ عنه .