العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٧٥فقد كان مُعَلِّمُهُ الأكبر جابر بن زيد ، من كبار التابعين الذين نشروا الثقافة الإسلامية في القرن الأول الهجري ، وقد عاش هذا الإمام العظيم ما بين سنتي واحد و عشرين إلى ست و تسعين "(1)، و المعنى أنَّه اصطحب ذلك القرن من أوله حتى منتهاه ، فألَّفَ ، و علَّمَ ، و ثقَّفَ ، و تكلَّمَ ، و قرَّرَ الدعائم ، و وطئ الأصول ، و مهَّدَ القواعد ، و جمع العلوم الدينية ، و الثقافية الإسلامية ، حتى قرَّ قَرَارَها ، و تمهَّدت أصولها ، و عَرَفَها الناس ، فأخذوا منها بقبس هداها ، و استناروا بنور ضياها .
و اعلم أنَّ أغلب المشاكل التي اختلفت فيها الأمة ، نشأت في الثلثين الأخيرين من القرن الأول ، قال : " و قد حَصَرَ الشَّهْرَسْتانيُّ هذه[52] في أربعة أصول كبار ، كما يقول (2): هي الصفات الإلهية ، و ثم القَدَرُ ، ثم العَدْلُ ، ثم الوعد و الوعيد ، ثم السمع ، و العقل ، و الرسالة ، و الأمانة .
قال : " ثم شَرَحَ المسائل التي تندرج تحت قسم كل منها ، و الذي يعنينا من ذلك في هذا الفصل أن نشير إلى ما أثير منها في القرن الأول ، و اتخذ الإباضية فيه مذهبهم مستندين إلى البراهين القاطعة ، و الآيات المحكمات من كتاب الله عز و جل ....
مما أثير في ذلك القرن مشاكل القدر ، و الصفات ، و الوعد و الوعيد ، كما أنَّ قضية الخلافة قد استنفذت جهداً كبيراً من رجال العلم ، و الحكم في ذلك العصر .
و قد دَرَسَ الإباضية ، و في مقدمتهم الإمام الأكبر جابر بن زيد – رحمه الله – الأزدي العماني ، هذه المشاكل -كما ذكرت - و دَرَسَها غيرهم من علماء الإسلام ، و انتهوا فيها إلى الرأي العام ، و المذهب الذي اقتنعوا بصحته و صوابه ، مما يوافق كتاب الله ، و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم .
(1) الإباضية في موكب التاريخ ، الحلقة الأولى ( 1 / 59 ) .
(2) الملل و النحل ص 12 ، المقدمة الثانية .