العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة (نسخة غير مبوبة) سالم بن حمود بن شامس السيابي

العرى الوثيقة

الجزء ١ · صفحة ٨٧

و هنا قام دور التطور في الأمة ، و التمذهب في الملة ؛ ليبرز معنى حديث رسول الله – صلى الله عليه و سلم – فكان الإمام أبو الشعثاء ، و أبو عبيدة ، و أبو عمرو ، و العلامة صحار بن العباس ، و ضمام بن السائب ، ومن انضم إليهم من رجالات العلم و العمل ، و عبدالله بن إباض الركن [60] الأكبر لهؤلاء ، و عليه أطلق عليهم اسم الإباضية ، لكون عبدالله صار لهم بمنزلة الزعيم، لا أنه عالمهم الذي يرجعون إليه في مهماتهم ، و يصدرون عن فتاويه فيما يغشيهم من أمر دينهم،كبقية رجال العلم الذين صاروا لأتباعهم مَرْجِعاً ، و لإخوانهم مصدراً علمياً، قلدوهم عليه ، و اعتمدوا أقوالهم فيه ، كأبي حنيفة ، و الشافعي ، و مالك، و ابن حنبل ، و من في معناهم من رجال العلم الذين اشتهروا في أيامهم ، و ارتسموا طرقاً لأقوامهم ، و قرروا لهم قواعد دينهم ، فأخذوا بها ، وتركوا ما سواها ، إذ اعتقدوا فيهم اعتقادات ، لو علمها أولئك ما رضوا بها ، و أصرَّ كل فريق منهم على قول عالمهم ، و رفضوا ما عداه ، و تنافسوا إلى ذلك إلى حدٍ بعيدٍ، حتى صاروا أضداداً لبعضهم بعضاً في ذلك .

فكان الآخذ بقول أبي حنيفة لا يرى ما عداه ، و لا يرضى به بديلاً مهما كان، و بذلك صار لهؤلاء مذاهب خاصة اختصها مقلدوهم فيها ، و أصبحوا يعرفون بها ، كما حكى التاريخ ذلك عنهم ، فكانوا بذلك أربعة مذاهب ، كل مذهب منها له أهميته ، و قواعده ، و حججه ، و مؤسساته في الأمة ، و تَعَصَّبَ كُلُّ فريقٍ لشيخه و أستاذه .

فكانوا إذا جاء القول عن أحد هؤلاء الأربعة ، قام له أتباعه مؤيدين و مقدسين ، حتى غَلَوا فيما بينهم ، و مضى على ذلك عهد غير يسير ، حتى توسَّطَ من جاء من بعد ذلك من رجال العلم ، الذين يحاولون الاقتراب من بعضهم بعضاً ، فأخذوا ببعض أقوال أحد الشيوخ الذين يمكن التسامح معه في شيء ما و مضى.[61]

٨٧ / ٤٣٨