العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٩١ذلك لأنَّ الرَّجل كان يقول الحقَّ ، ويدعو إليه ، و يَرُدُّ الباطل ، و يُنَفِّرُ منه ، في عهد اشتد فيه جور الأمراء سياسياً ، بحيث يريدون أن يتناسى العهد النبوي الصحيح ، عهد الحرية الدينية ، عهد العلم و العمل، عهد الدين الصحيح ، الذي لا يرضى تفكك القوى الإسلامية ، و لا يرتضى الأعمال الأموية ، التي بدلت الدين بالهوى ، و أقصت بجورها أهل التقى ، فكانت شراً جاثماً على صدور الصدر الأول ، و ما تغلغل من البغي يجعل الباطل ديناً ، و منه لعن علي بن أبي طالب في الجمعات التي هي مجامع الدين ، و بغير حياء ، و مَنْ لا يفعل على أقل الأشياء ينتقص ، و يحتقر ، و يجعل ممن تقتحمه العقول ، و تنكص عنه العيون ، ويجعل في عداد [64] من لا قدر له و لا احترام .
و قد ضاق الحال بأهل الفضل في الإسلام ، مع أن العهد بالنبوة قريب، والعهد بالخلافة الراشدة أقرب ، فكان أهل العلم ، و أهل الفضل تقطع ظهورهم، و يقضون الأيام و الليالي في السجون ظلماً و عدواناً .
و لم يبق احترام لأحد من هذا النوع ، إلا لمن كان من طِرَازِ عبدالله بن إباض عمل يقتضيه: " لَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ "(1) ، فكان الرهط إذ ذاك سوراً منيعاً ، انظر في حبس أبي الشعثاء ، و إخوانه حتى بلغ به الحال إلى أنهم يقطعون الشعور التي تطول ، و أظفارهم ، بأضراسهم قهراً و أسراً لعدم الرهط المحذور ، و لم يكن من ذلك شيء على عبدالله بن إباض ، و أضرابه من أمثال الأحنف الذي إذا سَلَّ سيفه سَلَّ معه مائة ألف سيف ، لا يسألونه لماذا سل سيفه !.
أما أبو عبيدة الضرير ، و أبو الشعثاء الأعور ، و أضرابهم فذالك حالهم ، و الحمد لله حتى كان عبدالله ردئاً لهؤلاء ، يصدقهم إذا قالوا ، ويؤيدهم إذا أفتوا .
(1) هود : 91 .