العرى الوثيقة
الجزء ١ · صفحة ٩٣ولم يجسر أحد أن يتظاهر بذلك غير عبدالله بن إباض خوفاً من بطش هؤلاء البغاة المتمردين على عباد الله و على الدين ، و جمع عبدالله بن إباض من أطاعه شاهراً أمره ، غير مبال بأحد ، متوجهاً لحماية مكة منه ، و لما أمنت رجع إلى وطنه بالبصرة ، و القضية مشهورة ، إلا أننا نحن لا أهمية للتأريخ لدينا ، فلذلك تضيع الحقائق عندنا ، و يفوتنا علمها لذلك .
وهذه البادرة تعبر عن شأنٍ رفيعٍ لعبدالله بن إباض و أعوانه ، و ما زال علماء الإباضية أنصار للحقِّ ، أعداء للباطل ، يخافهم أهل السفه ، و يكرههم أهل الفساد، فإنهم ما يزالوا على شدة في الدين .
انظر وفادتهم على عمر بن عبد العزيز و نقاشهم معه ، و ما قابلوه به حتى وعدهم بإحياء كل يوم سنة ، و إماتة كل يوم بدعة ، فلم يكفهم ذلك منه ؛ لكونه أمير عامة ، و هو يريد يعمل في الأمور بالسياسة ، فقالوا لا يرضينا ذلك منك ، فإن الإمام العدل لا تسعه التقية ، و المعنى أنت هو الآن ، فطلب منهم ليعلن ذلك غداً على المنبر عند اجتماع الناس ، فقالوا له من لك أن تعيش إلى الغد ؟ ، و إذ ذاك عضدهم ابنه قائلاً : صدق القوم ، فقال عمر بن عبد العزيز : الحمد الله الذي أخرج مني مثل هذا أو نحو هذا ، ثم مات الولد المذكور فتولاه الإباضية ، و القضية مشهورة أيضا إن لم يغطِّ عليها الحسد ، و هو داء دفين ، نعوذ بالله منه [66].
7- قَدْ كَانَ في المِنْعَةِ مِنْ عَشِيَرتِهْ و لا يُطَاقُ بَأسُهُ لِسَطْوَتِهْ
8- فأَظْهَرَ الحَقَّ عَلَى رُغْمِ العِدَا والكُلُّ مِنْ أَعْدَائِهِ قَدْ شَهِدَا
اعلم أنَّ الإمام ابن إباض – رحمه الله – كما قدمنا عنه ، أنَّه كان سيفاً ماضياً لقطع العراقيل التي تحول بين الحقِّ و أهله ، و هماماً مِقْدَاماً لقطع شأفة الفساد الذي يواجهه ، و عزيمته شديدة في الاعتماد على الله وحده قبل كل شيء .