حادثة الإسراء لخميس العدوي
الجزء ١ · صفحة ١٢وأيضا هناك فارق بين أمر لا يستوعبه العقل في لحظه من لحظاته البشرية؛ وبين أمر يعارض العقول السليمة، فلا ريب أن ما يعارض العقل مرفوض ولن تجده في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأما ما لا يستطيع العقل أن يصل إلى كنهه، فليس أمامه إلا أن يسلم له، وستأتي الساعة التي تنكشف حقيقته للناس.
إذن المطلوب من المسلم هنا أن يؤمن بهذه الحادثة ويصدق بها، وهذا ما صدر من أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما قال قولته المشهورة عندما بلغه الأمر: (إن كان رسول الله قد قال ذلك فهو حق وصدق، إننا نصدقه فيما هو أعظم من ذلك، إننا نصدقه في أمر الوحي) وبذلك سمي الصديق، لقب خالد لرجل خالد.
إن أولى مهام العقل المسلم هي التسليم بما جاء من عند الله تعالى، وبعد التسليم يأتي دور الاستجلاء للمعاني وإلا كيف يمكن لامرء أن يستفيد من مادة إلهية في صياغة حياته وهو يكفر بها.
حادثة الإسراء هي إلزام من حيث وجوب الإيمان بها؛ ومن حيث وجوب استجلاء معانيها؛ وتفعيل هذه المعاني في حياة المسلم.
السري ليلا
لا ريب عندما يذكر الحق جل وعلا الزمن في آية أو سورة من الكتاب العزيز، فلذلك الزمن ملمح خاص يرتبط ببقية الموضوع المذكور في السورة أو مقطع الآيات.
وأذكر هنا مثالا واحدا فقط للتدليل على إيحاء الزمن، ففي سورة العصر أقسم الخالق سبحانه وتعالى "بالعصر"، وهذا له دلالته العميقة والدقيقة، فالله تعالى يتحدث في هذه السورة عن الخسران الإنساني، والإنسان مصاب بعلة "التسويف" في التوبة والأوبة إلى الله تعالى، فعندما يأتي وقت يقول لنفسه سأقلع عن غيي لاحقا، ثم يأتي الوقت اللاحق فيسوف لوقت آخر لاحق، وهكذا.
ولا يدري المسكين إلا وقد انتهت حياته بسرعة كبيرة وخرج من الحياة الدنيا، ومهما طال بالإنسان العمر فهو يمر سريعا مرور فترة العصر القصيرة الشاغلة للإنسان بصخبها وحركتها عن التفكر في أمر آخر.