فتوى البراءة للشيخ الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٣قلت: كلا، بل هذه من الأصول الثابتة التي تشترك فيها جميع شرائع الأنبياء، وهي مما تضمنه أمر الله لنبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ (الأنعام: من الآية90) فإن التوحيد والأخلاق لا يطرأ عليهما النسخ، والغيرة على دين الله والغضب له تعالى من قواعد الدين التي لا تتزعزع في أي شرع وهذا ما أكده قوله تعالى: ﴿ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ (المجادلة: من الآية22) ومحادة الله كما تكون بالقول والاعتقاد تكون بالعمل والسلوك فتندرج فيها كبائر الأثم إذا أصر عليها صاحبها كيف وقد قال الله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا" ويعضد هذا موقف نبينا عليه الصلاة والسلام من أصحاب الكبائر فإنه إن لم يكن صريحاً في البراءة منهم فليس يصح في الأذهان شيء، وقد أمرنا الله بالتأسي به في قوله: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ (الأحزاب:21) وهاكم صوراً من مواقفه عليه الصلاة والسلام من أهل الكبائر.
روى الربيع في مسنده الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا ومن غشنا فليس منا ومن لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا فليس منا" وقد أخرج الجماعة إلا البخاري والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر برجل يبيع طعاماً فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال: "من غشنا فليس منا" وفي رواية لمسلم "من غش فليس مني".