فتوى البراءة للشيخ الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٢٢فجوابه: أن قوله تعالى : ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ لا يدل بحال من الأحوال على انحصار الظلم في الشرك وإنما قصارى ما يدل عليه أن الشرك هو أعظم الظلم، ولا خلاف في هذا فإن كل عاقل يدرك أن أقبح الظلم وأشنعه وأسوأه وأرداه أن يجعل العبد لله تعالى شريكاً مع أنه الذي خلقه فسواه وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ولكن أين الدليل في هذا على أن ما دون الشرك لا يعد ظلما ولا ينطبق عليه الوعيد على الظلم؟ بل الآية نفسها دليل على أن ما دون الشرك من ضروب الشرِّ يكون ظلما أيضا، فإن الشر دركات كما أن الخير درجات، وما مثل ذلك إلا كمثل قوله: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ فإنه يدل على أن من الرقاب المملوكة التي يجري فيها العتق رقابا غير مؤمنة ولكن لا يجزي عتقها في كفارات القتل، ومثله قوله تعالى: ﴿ وجاؤا بسحر عظيم ﴾ فإنه يدل على أن من السحر ما هو دون ما جاؤا به وإلاّ فما فائدة وصفه بأنه عظيم؟!.
وبهذا يتبين لك أن محاولة رد كل ظلم إلى الشرك ليست هي إلا فراراً من الواضح إلى المشكل ومن البصيرة إلى العمى، ناهيك بالأدلة الصريحة الواضحة الدالة على أن ما دون الشرك يصدق عليه وصف الظلم أيضاً وقد مضى ذكر بعضها وكفى.
أما قوله تعالى: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ فإنا –إن سلمنا إفادتها الحصر- لا نسلم أن الكفر فيها هو كفر الشرك، فإن الكفر كفران "كفر شرك" :وهو المخرج من ملة الإسلام، الذي يترتب عليه عدم التوارث، وعدم جواز تزويج من اتصف به بمسلمة، وعدم دفنه في مقابر المسلمين، وعدم مواراته على الطريقة الإسلامية، "وكفر نعمة": وهو لا يخرج من اتصف به من الملة، ولا يترتب عليه حرمانه من حقوق المسلمين في حياته ولا في مماته إلا الولاية التي هي اصطفاء موقوف على الوفاء بالواجبات واجتناب المحظورات، ذلك لأن أصل الكفر التغطية كما قال تعالى: ﴿ يعجب الكفار نباته ﴾ أي الزراع لأنهم يغطون البذر بالتراب، وقال الشاعر: