فتوى البراءة للشيخ الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٢٤هذا وقد نص على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ كفار النعم السيد العلامة محمد رشيد رضا في تفسيره المنار، وهو الحق لأن التحذير من التهاون والتفريط في الإنفاق موجه في صدر الآية إلى الذين آمنوا وذلك قوله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ ﴾ (البقرة: من الآية254) ثم قال: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ فدل ذلك على أن المراد بالكافرين الذين لا ينفقون مما رزقهم الله وإلاَّ ذهب الترابط والانسجام بين أول الآية وآخرها، على أنا لو سلمنا لمن قال بخلاف هذا فإن مثل هذا التركيب وإن كان أصله دليلاً على الحصر قد يكون لقصد التأكيد والمبالغة في الوصف كما يقال: "الرجل زيد" مع أن وصف الرجولة لا ينحصر فيه وقد يكون هذا حتى مع وجود "إنما" المفيدة للحصر كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الربا في النسيئة" مع نهيه عن بيع أصناف مخصوصة بجنسها متفاضلة ولو مع القبض.
وبهذا تدرك أنه لم يبق متعلق لمن حصر الظلم في الشرك، وأي ظلم بعد الإشراك بالله أسوأ من ظلم من استرعاه الله رعية فلم يرعها بنصحه ولم يحطها بعدله، ولئن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - تبرأ ممن غش في سلعة يبيعها بإظهار جيدها وإخفاء رديئها حيث قال: "من غش فليس مني" أو "من غشنا فليس منا" فما بالك بمن غش الأمة بأسرها بجوره وظلمه؟! أوليس من كان كذلك أولى بالبراءة والمقت؟ بلى ولكن أكثر الناس لا يعلمون فلذلك يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق.