أدلة البراءة من مرتكب الكبيرة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

فتوى البراءة للشيخ الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٥

وإن من أقوى الأدلة وأقطعها للسان كل مشاقق في هذا قوله تعالى: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ (هود:45-46) فهذا نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله صابراً على أذاهم، محتملاً كل عنت وشقاق لأجل دعوة ربه، يتلطف في هداية قومه بها فيجهر بها تارة ويسر بها أخرى، وظل على ذلك حتى قيل له "إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن" فأيس من رشدهم ودعا الله أن يستأصلهم لقطع دابر كفرهم واستئصال شأفة شقاقهم، فحمل أهله ومن آمن معه على السفينة، ورفض ابنه الركوب معهم مؤثرا الإيواء إلى جبل يعصمه من الماء، فكان من المغرقين، وقد تلطف نوح عليه السلام في خطابه لربه بشأنه، فلم يزد على قوله: ﴿ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴾ (هود: من الآية45) فجاء ردُّ ربنا سبحانه وتعالى مسكتا للسانه عن أي قول في هذا إلاّ التسليم لأمر الله، إذ قال له الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ (هود: من الآية46) مع أنه ابنه بشهادة وحي الله تعالى وعلل هذا الحكم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ (هود: من الآية46) ومعنى ذلك أنّ علة منعه من هذا القول ما صدر عن ابنه من عمله غير الصَّالح، وهو الذي أوبقه فكان مع الهالكين، ولتأثير هذا العمل عليه، وإحاطته به لأنه لم يتب منه حتى مات كان كأنه هو ذات العمل غير الصَّالح فأخبر عنه بنفس العمل في قراءة الجمهور برفع " عملٌ "، على أنه خبر إن ونعته بغير المضاف إلى صالح، وقرأ الكسائي –وهو أحد القراء السبعة المعتمدين- { إنه

٥ / ٢٧