فتوى البراءة للشيخ الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٦عَمِلَ غيرَ صالح } بكسر ميم "عَمِلَ" وفتح لامه على أنه فعل ماضٍ فاعله ضمير يعود إلى ابن نوح و" غيرَ " مفتوح الراء لأنه مفعوله فهو منصوب به وقد قرأ بها أربعة من الصحابة وهم علي وعائشة وابن عباس وأنس - رضي الله عنهم -، وروتها عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي أدل على تعليل منع نوح عليه السلام مما قاله فيه لربه بما عمله ابنه من العمل غير الصالح، فكيف يسوغ مع هذا أن يدعى لفاجر -يغدو ويروح على معاصي الله الموبقة- بالرحمة والمغفرة؟
فإن قيل بأن ابن نوح عليه السلام لم يؤمن برسالة ابيه، بل كان كافراً بها، فلذلك منع نوح أن يتولاه، أو يدعو له، فلا يقاس عليه من أسلم وآمن بما جاءت به الرسل، ولكنه فسق بارتكابه الكبائر.
قلنا: ليس في القرآن ما يشير قط أنه كان جاحداً لرسالة أبيه، أو صاداً عن الإيمان بها، وإنما قصارى أمره المذكور أنه كان في معزل عن أبيه ومن معه عندما ركبوا في السفينة، وأن نوحاً عليه السلام ناداه بأن يركب معهم، وأن لا يكون مع الكافرين بهلاكه معهم، فاعتذر إليه بأنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، فكانت هذه معصية منه استحق بها الهلاك، واستحق بها براءة أبيه والمؤمنين منه، بل مما يتبادر أن نوحاً عليه السلام لو علم منه أنه مكذب برسالته لما دعاه إلى الركوب معه، كيف وقد أخبر أنه لن يؤمن من قومه إلاَّ من قد آمن، على أنه مهما يكن من أمره فإن هذا الحكم إنما نيط بعمله غير الصالح، وهو دليل على أن من كان كذلك فلا تحق له الولاية في الدين وإنما تجب البراءة منه، ومما يستبعد جداً أن يذكر -في مقام الرد على أبيه وتبصيره بأنه ليس من أهله- أدنى جرائمه -وهو عمله غير الصالح- ويسكت عما هو أشد وهو جحوده لرسالة أبيه وكفره بالله تعالى لو كان ذلك هو سبب وجوب براءته منه.