التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ١٦المسلمين من فضَّل أخذ تلك النصوص على ظاهرها، دون تأويل ولا تفكير في كيفية اتصاف الله تعالى بها(1).
4 - مسألة رؤية الله تعالى:
احتدم النقاش بين المسلمين حول جواز رؤية الله أو استحالتها، وكان موقف الإِبَاضِيَّة مع النافين لرؤيته تعالى استنادا إلى أَدِلَّة نَقلِيَّة وعقلية(2)، وفي حديثنا عن إباضية المغرب نركز على تفسير هود بن حكم للآيات القرآنية.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (سورة القيامة: 22، 23) فقال: «أي تنتظر الثواب وهي وجوه المؤمنين» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 444]. وفي المقابل هناك من ذهب إلى تفسير النظر في هذه الآية بالرؤية مثل الأشعري(3).
قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (سورة المطففين: 15) فسرها هود بن محكَّم بقوله: «أي عن ثواب ربهم لمحرومون» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 483]، وأعرض عَمَّا جاء في أصل تفسير ابن سلام من إثبات الرؤية(4)، لأن المثبتين للرؤية يستدلون على أن الله لما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أَنَّهُ يثيب المؤمنين برفع الحجاب لهم عن أعينهم حَتَّى يروه(5).
ثالثا: الإيمان بالغيب
يعرف هود بن محكَّم الغيب عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (سورة البقرة: 03) فقال: «أي الذين يصدقون بالبعث والحساب والجنة والنار، وكل هذا غيِّب عنهم» [هود بن محكم: تفسير كتاب
(1) انظر: الأشعري: الإبانة: 2/ 126؛ ابن قدامة عبد الله بن أحمد المقدسي: ذم التأويل: تحقيق: بدر عبد الله البار، دار السَّلَفِيَّة، الكويت: 1406هـ. ج2، ص: 11، وقد وضح ابن قدامة وجهة نظره فقال: «ومذهب السلف الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها، ولا نقص منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدَثين، بل أمرُّوها كما جاءت، ورَدُّوا علمها إلى قائلها ومعناها المتكلم بها».
(2) انظر: أحمد بن حمد الخليلي: الحق الدامغ: مطابع النهضة، مسقط: 1409هـ. ص: 67 - 95؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 298 - 343؛ وينتن: آراء الشيخ اطْفِيَّشْ العقَدية: 132 - 157.
(3) الإبانة: 2/ 35.
(4) استنتجنا إعراضه لسببين: أولا: ابن سلام من القائلين بجواز رؤية الباري. ثانيا: وجد محقق الكتاب في نسخة ابن أبي زمنين (المختصر الثاني للتفسير) كلاما عن تفسير الرؤية، فدل ذلك -والله أعلم- على أن هودا حذف ما يخالف معتقده في تفسيره المختصر لابن سلام، انظر: هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 483، هامش: 2.
(5) البيهقي: الاعتقاد: 2/ 132.