التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ١٧الله العزيز: 1/ 81]، فعالم الغيب يقابل عالم الشهادة، ولا يدرك بالحس، وهو فوق العقل، تستحيل معرفته من غير سمع ونقل.
وقد انتهج علماء الإِبَاضِيَّة في القرون الثلاثة الهجرية الأولى مسلك إثبات ما أثبتته نصوص القرآن والسنة من غير تأويل لها، و لم يكلفوا أنفسهم الخوض فيما لم تذكره هذه النصوص، تعظيما للغيب الذي هو من علم الله وحده إِلاَّ ما أعلَمَ به خلقه. وهذا يتجلى في مجموعة من المواضيع الغيبية التي وردت في المصادر الإباضية وسنقتصر على ما يأتي:
1 اعتمد لواب بن سلام في حديثه عن أشراط الساعة بما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّا ذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة لقمان: 34)(1).
يعتقد هود بن محكَّم أن نزول المسيح عيسى - عليه السلام - وظهور الدجال من أشراط الساعة(2)، لكن دون أن يذكر تأويلا ولا بحثا في كيفية النزول والظهور، مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّهُ يثبتهما على حقيقتهما.
وهذا المسلك في الاقصار على ما ورد من النصوص الصحيحة في أشراط الساعة يتناسب مع رأي أهل السنة حسبما ذكره البيهقي الذي يقول: «أَمَّا انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط الساعة، وهي أعلامها، منها: خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم - عليه السلام -، وقتله الدجال، ومنها: خروج يأجوج ومأجوج، ومنها خروج دابة الأرض، ومنها طلوع الشمس من مغربها، فهذه هي الآيات العظام»(3).
2 - يعرِّف هود بن محكَّم الصور بِأَنَّهُ: «قرن يُنفخ فيه أرواح الخلق، فيذهب كل روح إلى جسده فيدخل فيه، ثُمَّ ينطلقون سراعا إلى المنادي صاحب الصور إلى بيت المقدس» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 536]، ثُمَّ ساق عدة أحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (سورة النمل: 87)(4). وإلى هذا ذهب ابن أبي العز الحنفي الذي اعتبر أن النفخ في الصور هو
(1) السند الذي ذكره ابن سلام هو: «بلغنا عن يحيى بن معتمر قال: قلت لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن أخبرنا خبر الأعرابي، قال ابن عمر … » الحديث، شرائع الدين: 60، 61.
(2) تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 436، 2/ 127، 128، 4/ 180. انظر: البخاري: كتاب البيوع، باب قتل الخنزير رقم: 2070؛ مسلم: كتاب الفتن، باب أشرط الساعة رقم: 5157؛ أحمد: كتاب باقي مسند المكثرين، باب باقي مسند السابق رقم: 10522.
(3) البيهقي: الاعتقاد: 1/ 307.
(4) هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 3/ 265 - 268، انظر مثلا حديث الترمذي: كتاب تفسير القرآن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب ومن سورة الزمر رقم: 3167.