التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ١٨

سبب حياة العالم، وعود الأرواح إلى أجسادها(1).

3 - يثبت علماء الإِبَاضِيَّة في فترة البحث عذاب القبر، ولا يشذ منهم أحد، لكثرة الأَدِلَّة الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية؛ واستدل هود بن محكَّم لإثبات عذاب القبر بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (سورة طه: 124) ففسر المعيشة الضنك بعذاب القبر(2).

4 - أقر هود بن محكَّم الهواري أن الصراط تفسر بمعناها الحسي لا المعنوي [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 283، 2/ 318]، إذ نقل قول بعضهم: «يميل بهم الصراط مرة إلى الجنَّة ومرة إلى النار، ثُمَّ يدخلون الجنَّة» [هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 2/ 20]. وأورد أحاديث مرفوعة وموقوفة تثبت الصراط بالمعنى الحسي(3).

فالصراط بهذا المفهوم هو نفسه ما أورده ابن تيمية في قوله: «الجسر الذي بين الجنَّة والنار، يمر الناس على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق … فمن مر على الصراط دخل الجنَّة»(4).

5 - الشفاعة حقٌّ، ويجب الإيمان بها، ومن أنكرها أو كذَّب بها فيعتبره الإمام جابر بن زيد بمنزلة من كذَّب القرآن(5). وأجمع المسلمون على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشفع يوم القيامة(6) من منطلق النصوص النبوية الكثيرة، مثل: حديث «لِكُلِّ نبيء دعوة، وأنا أردت أن أخبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة»(7)، لكن المسلمين اختلفوا في مستحق الشفاعة كثيرا، فالإباضية يثبتون الشفاعة للمؤمن التقي، وينفونها عن العصاة وأصحاب الكبائر، بأَدِلَّة من القرآن صريحة، وبأَدِلَّة من السنة وردت في ترتيب المسند، وهذه بعض أدلتهم:

يقول تعالى: ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ (سورة البقرة: 48) ذهب هود بن محكم إلى أن الشفاعة لا تكون إِلاَّ للمؤمنين [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 103]. ويفسر أيضا قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سورة سبأ: 23) بأن الشافعين لا يشفعون إِلاَّ للمؤمنين ممن أذن الله لهم [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 397]. ويعتقد كذلك أن الملائكة والنبيئين لا يشفعون للمنافقين، وإِنَّمَا يشفعون لمن ارتضى الله من المؤمنين [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 397].

(1) شرح العقيدة الطحاوية: 230.

(2) هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 3/ 57؛ وأورد عدة أحاديث عن رسول الله استدل بها، المصدر نفسه: 2/ 329 - 331.

(3) سنن أبي داود: كتاب السنة: باب ذكر الميزان، رقم: 4128،

(4) ابن تيمية: العقيدة الواسطية: 2/ 33، 34.

(5) أبو ستة: حاشية الترتيب: 3/ 25؛ بولرواح: من فقه جابر بن زيد: 40.

(6) الأشعري: الإبانة: 2/ 214.

(7) ترتيب المسند: ح: 499؛ انظر: البخاري، كتاب الدعوات، باب لِكُلِّ نبيء دعوة مستجابة، رقم: 5829.

١٧ / ٢٦