التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ١٩وأما أَدِلَّة السنة فإن الإِبَاضِيَّة يعتمدون حديث: «ليست شفاعتي لأهل الكبائر»(1)، ويأولون الأحاديث التي تثبت الشفاعة للعصاة(2).
وفي الطرف الآخر نجد أهل السنة يستدلون على إمكانية الشفاعة للعصاة المسلمين بنفس أَدِلَّة الكتاب الحكيم التي اعتمدها الإِبَاضِيَّة لكن مع اختلاف في نفسيرها، وَأَمَّا في الاستدلال من السنة فبنصوص غير ما اعتمده الإِبَاضِيَّة، فمن أدلة القرآن قوله تعالى: ﴿ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (سورة غافر: 18) والظالمون المحرومون من الشفاعة هم الكافرون، بدليل مفتَتَح الآية ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِر﴾(3). وَأَمَّا من السنة فقد استدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي»(4).
وفي الأخير نصل إلى أن الإِبَاضِيَّة يثبتون الشفاعة للمؤمن التقي، وينفونها عن العصاة وأصحاب الكبائر، بأَدِلَّة من القرآن صريحة، وبأَدِلَّة من السنة وردت في ترتيب المسند، أَمَّا ما ورد في كتب السنة الأخرى فإنهم يؤوِّلونها. بينما أهل السنة يثبتون الشفاعة بأَدِلَّة من السنة -خلاف ترتيب المسند- صريحة وبتأويل نصوص القرآن.
رابعا: الإيمان بالقضاء والقدر:
تتجه تفسيرات علماء إِبَاضِيَّة المغرب الإسلامي حول القضاء والقدر إلى محاولة إثبات علم الله بأفعال العباد، وأن المعصية تأتي من فعل العبد وفق اختياره. وَأَمَّا مواقفهم فتعتبر سطحية غير متعمقة في توظيف المصطلحات والتفسيرات الكلامية التي استُنتجت من الفلسفة الإسلامية، إِلاَّ أَنَّهَا حريصة على الرد على الخصوم الذين يثبتون الجبر أو ينفون القدر عن الله. وسنورد بعض مواقفهم وتفسيراتهم:
1 – موقفهم من نسبة الفعل الإنساني:
يحاول علماء الإِبَاضِيَّة نسبة الخلق إلى الله، مع إثبات الحرية إلى الإنسان، فهذا جابر بن زيد دعا بدعاء ذكر فيه أن علم الله الأزلي محيط بمصير العباد فقال: « … أَنْ يغفرَ لنا ولك الذي قد سلف مِمَّا أسخطناه فيه، وما سبق في علمه في الذي نحن مصيبوه»(5)، واعتبر كذلك منتهى (أي: مصير) العباد إلى ما خلقوا له(6)، أي: إن مصيرهم يرجع إلى ما قرر الله في الأزل.
وأما هود بن محكَّم الهواري فقد جاء بتسمية جديدة لعلم الله بأفعال العباد، سماه "علم الفعال"، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (سورة آل عمران: 141): «أي ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه» [هود بن محكم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 317، انظر كذلك: 1/ 330، 2/ 119]، فهود يقر أن الفعل مخلوق من الله، وأن الله سيحاسب العباد من جراء تصرفاتهم التي يحسون أَنَّهَا حرة غير مقيدة، استصحابا للعدل الإلهي. وجاء رأيه واضحًا أكثر في معرض تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العنكبوت: 03) فقال: «وقد علم الله ذلك ـ قبل أن يفترض عليهم ما افترض ـ أَنَّهُم سيفعلون وسيتركون، وَلَكِنَّهُ قال: وليعلمنَّكم كاذبين فاعلين وتاركين» [هود بن محكم: تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 296]، فعلم الله الأزلي سابق لاختيار العباد لأفعالهم، مع نسبة الحرية في الاختيار إلى الخلق، والتي بموجبها سيكون الحساب.
3– مصدر المعصية:
استدل جناو بن فتى على كون المعصية من فعل العبد بآيتين تنسبان الفعل إلى الإنسان وتنفيان عنه الجبر(7)، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (سورة الجاثية: 22) وقوله أيضا: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (سورة النجم: 39).
واستدل كذلك الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم بآيات من القرآن الكريم تثبت أن الضلالة من العباد والله أضلهم بفعلهم(8)، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (سورة الصف: 05)، وقوله أيضا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (سورة النساء: 160)، وقوله كذلك: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (سورة النساء: 155).
ويؤكد الإمام عبد الوهاب رأيه بتحليل مصطلح الإضلال والضلال، فقد نسب الإضلال إلى الله، أَمَّا الضلال فإلى العباد فقال: «والإضلال من الله هو الذي أضلهم بفعلهم، والضلال هو فعلهم الذي ضلوا به»(9).
فالقول بأن الله أمر عباده بالطاعة ونهاهم عن المعصية ممن بلغ حد التكليف يَتَّفِقُ مع المذاهب الإسلامية في إثبات اختيار الإنسان لفعله، من غير إكراه أو قسر(10).
(1) ترتيب المسند: ح: 1004، وهو مثال لأحاديث لها نفس المعنى في الكتاب. ولم أجد تخريجه في الكتب التسعة.
(2) وينتن: آراء الشيخ اطْفِيَّشْ العقَدية: 434.
(3) البيهقي: المصدر نفسه: 1/ 280.
(4) سنن أبي داود: كتاب السنة، باب في الشفاعة رقم: 4114، وهو مثال عن أحادبث لها نفس المعنى.
(5) رسائل الإمام جابر (مخ): 64.
(6) المصدر نفسه: 67.
(7) جناو بن فتى: أجوبة علماء فزان: 93.
(8) عبد الوهاب: مسائل نفوسة: 42؛ انظر: جوابات عبد الوهاب (مخ): 15ظ.
(9) عبد الوهاب: مسائل نفوسة: 42؛ انظر: جوابات عبد الوهاب (مخ): 15ظ.
(10) د. إسماعيل قرني: القضاء والقدر عند المسلمين: 275.