التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ٢٠4 – الجبل:
ذهب موسى بن يونس النفوسي(1) إلى القول بالجبْل، وهو رأي أهل جبَل نفوسة(2)، وقد عرَّفه الجيطالي بأن العباد «مخلوقون على أن يفعلوا ما علم الله أَنَّهُم يفعلونه قبل أن يخلقهم، لا أَنَّهُم مجبورون عليه ولا دخل لهم فيه ولو باكتساب، كما تقول الجبرية»(3)، ومصطلح الجبل قد ورد في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ﴾ (سورة الشعراء: 184) فالجبْل مصطلح يحاول أن يثبت علم الله لأفعال العباد دون أن يكون هناك جبر، لكن يبدو أن الجبل ما هو إِلاَّ تخفيف لمفهوم الجبر، لأن الجبل يقتضي أن العبد مخلوق فطريا لأنْ يفعل ما كان في علم الله الأزلي(4).
وبعض عرض مجمل الآراء يحق لنا أن نقر بأن تفسيرات ونحليلات علماء إباضية المغرب الإسلامي لا تسطيع نزغ الغموض عن القضاء والقدر؛ لأننا نرى أن الغموض مركب في الموضوع نفسه، والله أعلم.
5 - رأي عبد الله بن يزيد الفزاري في القضاء والقدر:
أردنا أن نفرد عبد الله بن يزيد الفزاري بحديث خاص، لأنه محسوب على النكار المنشقين عن الإباضية، ولأن له مؤلفا نفيسا لا يزال مخطوطا هو في حاجة إلى أيدي الدارسين والباحثين لاكتشاف أغواره.
فقد تصدَّى الفزاري في كتابه القدر للرد على الذين يوجبون العدل على الله في أفعاله، ومن خلال ردوده سيتضح مذهبه في الموضوع.
- الفزاري يفرق في أفعال الإنسان بين ما فيها جبر، وبين ما فيها حرية التصرف والاختيار؛ فَأَمَّا التي فيها حرية التصرف فهي الأفعال التي تعلق بها الأمر والنهي الإلهيَّان، حتَّى يجازى ويعاقب العباد على حسب اختيارهم، وَأَمَّا الأفعال التي لم يشرع فيها الله الأمر والنهي فهي في عداد ما جبل الله به عباده عليها، ولا قدرة للعباد في تغييرها أو التحكم فيها. ويفهم من هذا أن الأفعال تنقسم إلى: أفعال اختيارية يَتَعَلَّق بها التكليف، وأخرى قسرية لا تكليف فيها. وقد أجمل الفزاري كلامه في ما يأتي: «كل ما جاز فيه الأمر والنهي فهو فعل
(1) موسى بن يونس الجلالمي النفوسي، أبو هارون (حي بعد: 283هـ): شيخ عالم من جميلة بجبل نفوسة، أسس مدرسة تخرج فيها علماء، انظر: معجم أعلام الإِبَاضِيَّة: 4/ 904.
(2) من بين علماء جبَل نفوسة الذين تبنوا القول بالجبْل نجد أيضا أبا يحيى زكرياءَ بن يونس بن أبي القاسم الفرسطائي، وهو من تلاميذ الشيخ موسى النفوسي ومن علماء القرن الرابع الهجري، انظر: الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 451، نقلا عن الجيطالي: شرح النونية (مخ): 135و؛ معجم أعلام الإِبَاضِيَّة في المشرق: 2/ 357.
(3) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 451، نقلا عن الجيطالي: شرح النونية (مخ): 135و.
(4) النامي: دراسات عن الإِبَاضِيَّة: 137.