التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ٢٢العباد، وكل ما لم يجز فيه الأمر والنهي فهو خلقةٌ وجِبلة لا صنعة للعباد فيها» [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 27ظ].
- وحرصا من الفزاري على الابتعاد من دائرة الجبر فقد ذهب إلى «أن الله خلق الكفر والإيمان، وخلْقُهما غيرهما» [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 40و]، فهو يفرق بين خلق الله للشيء وبين ذلك الشَّيْء المخلوق، فخلق الله للشيء يعني التقدير والجعل والتسمية له، وأن يقول له: كن، فيكون، بينما الشَّيْء المخلوق هو ناتج عن الخلق، وفي ذلك يقول عن الإيمان والكفر: «الإيمان والكفر فعل العباد، والله خالق لهما على جهة أَنَّهُ المقدِّر لهما، وليس على جهة الشَّيْء الذي لا ينبغي لأحد أن يظن أن غير الله صنعه كالسماوات والأرض … وليس كذلك خلق الكفر والإيمان» [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 40و]، فكأن الفزاري يشير إلى أن خلق الكفر والإيمان هو من خلق الله تقديرا ومن العبد اختيارا محضا. ويمثِّل لهذا الخلق بتحويل حليِّ الذهب إلى سلسلة دون أن يتحول جوهر الذهب، فالذهب قد قدَّره الله وحوَّله الإنسان بفعله، وكذلك الكفر والإيمان خلقهما الله وتصرف فيهما الإنسان بمحض اختياره. وعليه فإن الله لا يعذب على قضائه ولا على خلقه، وَإِنَّمَا يعذبهم على أعمالهم التي قضى بها عليهم [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 43و]، علما أن خلق الله وقضاءه غير أعمال العباد.
فتحليل الفزاري للقضاء والقدر جاء عميقا ومستوفيا لحيثيات الموضوع في كتابه القدر(1)، ويعتبر موقفه وسطا بين الجبر المحض والاختيار المطلق.
6 - الاستطاعة:
سنتطرق إلى الاستطاعة التي يَتَعَلَّق بها الأمر والنهي، هل تكون قبل الفعل أم أثناءه؟ وذلك على حسب رأي علماء المذهب الإِبَاضِي في المغرب الإسلامي وعلماء الفرق الإباضية.
ذهب المعتزلة إلى أن الاستطاعة قبل الفعل(2)، وذلك تماشيا مع قولهم بحرية الإنسان في تصرفاته وإرادته السابقة على الفعل في أن يفعل ما يشاء ومتى يشاء بلا تقييد، إذ قد يريد في وقت وينفِّذ في وقت آخر.
بينما أهل السنة يرون أن الاستطاعة مصاحبة للفعل، ولم يجوزوا أن يوجد الفعل بقدرة معدومة(3). وقد ذهب هود بن محكَّم الهواري من الإِبَاضِيَّة إلى أن الاستطاعة مع الفعل [هود بن محكم: فسير كتاب الله العزيز: 1/ 89].
ويعتقد الفزاري أن الاستطاعة تكون مع الفعل لا قبله ولا بعده [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 34و، 37و]، ويرى أن
(1) رأي الفزاري في القضاء والقدر جدير بالدراسة والتحليل من خلال ما ورد في كتابه القدر أو في كتابه: الرد على ابن عمير (مخ): 64و؛ أو من خلال ما جاء في رد أحمد الناصر لدين الله عليه في كتاب النجاة: كله.
(2) ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: 488.
(3) ابن أبي العز: المصدر نفسه: 488؛ د. أحمد محمود صبحي: الأشاعرة: في علم الكلام دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين: مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية: 1982، ص64.