التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ٢٣

الاستطاعة تتناسب مع الإرادة، وتتنافى مع ما لا يفعله العبد ولا يهواه؛ وبالتالي فلا حجة للعاصي في قوله بِأَنَّهُ تُركَ لهواه، أو أَنَّهُ لم يُعطَ الاستطاعة على الترك [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 27و، 28ظ]، ومعنى هذا أن المعصية إذا لم يردها المرء فَإِنَّهُ لا يستطيعها ولا يقدم عليها، ذلك لأَنَّهُ قد انتفي عنه الجبر؛ لأن المجبَر يُحمل على غير ما يريد، بخلاف من أتى المعصية فقد أتى ما يستطيعه ويريده. وخلاصة هذا الرأي أن كل ما أتى العبادُ من المعاصي فهم لها مستطيعون، وعليها غير مجبورين ولا مجبولين [الفزاري: كتاب القدر (مخ): 27و].

خامسا: الإيمان والكفر

1 - تعريف الإيمان:

يقرن هود بن محكَّم يقرن الإيمان بالعمل في كل تفسير آية من القرآن تشير إلى الموضوع(1)، حَتَّى قال عنه محقق تفسيره الشيخ شريفي: «إن الشيخ الهواري لا يفتأ يؤكد في كل مناسبة على أن الإيمان بالقول وحده لا يكفي، بل لا بد من العمل الذي يحققه ويتم به» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 34]، فالإيمان عنده هو التصديق بالقلب، والقول، والعمل، فيقول عند إيراده مثلا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ (سورة البقرة: 13) معناها أكملوا إيمانكم بالفعل الذي ضيعتموه، كما آمن المؤمنون المستكملون القول والعمل، ثُمَّ بين هود أن المنافقين كانوا يعيبون على أصحاب رسول الله الوفاء والكمال [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 85]. ويستند الإِبَاضِيَّة في تلازم العمل والتصديق والإقرار عند تفسير الإيمان على ما جاء في كتاب ترتيب المسند من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صوم إِلاَّ بالكف عن محارم الله»(2).

ويخالف رأيَ الإِبَاضِيَّة الأشاعرة اتباعا لإمامهم أبي الحسن الأشعري، الذي يرى أن الإيمان يكتفى فيه بالتصديق دون اشتراط العمل(3).

2 - زيادة الإيمان ونقصانه:

يقر علماء الإِبَاضِيَّة في فترة البحث بزيادة الإيمان، وجاء قولهم موافقا مع مذهبهم في اعتبار أن الإيمان قول وعمل؛ إذ كُلَّمَا زادت الأعمال زاد الإيمان، وهذا من منطلق قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (سورة الأنفال: 02)، ويعلق ابن سلام على الآية فيقول: «يزدادون إيمانا بِكُلِّ ما يُحدث الله لهم من كتاب وحجة؛ تصديقا وإخلاصا وإقرارا بِكُلِّ ما افترض الله على عباده» [ابن سلام: شرائع الدين: 69].

ولم يتفق المسلمون حول مسألة نقصان الإيمان، وذلك لاختلافهم في تعريف الإيمان؛ بين مشترط للعمل، وبين مكتف بالتصديق، ثُمَّ لاختلافهم في الاسم الذي يطلق على من نقص إيمانه، لذلك فإن من رأى أن الإيمان تصديق لم يجوِّز نقصانَه، باعتبار أن نقصان الاعتقاد يفضي إلى الشرك(4)، أَمَّا بعض من اعتبر الإيمان قولا وعملا فقد أجاز إطلاق النقصان، وهو رأي الشافعي(5) وعلماء الحديث(6) وبعض علماء الإِبَاضِيَّة من بعد فترة البحث الذين أخذوا مفهوم النقصان على أساس التخلي عن خصال الإيمان(7)، أَمَّا علماء الإِبَاضِيَّة فإنهم يرون أن الإيمان لا ينقص؛ فهذا الإمام جابر بن زيد يرى أن الإيمان ينسب إلى الزيادة ولا ينسب إلى النقصان(8)، ويستدل على ذلك بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»(9)، وعندما حاجج رجل جابر بقوله إِنَّهُ يزني وهو مؤمن، أجابه قائلا: «والله لو أدركك عمر لجلدك الحدَّين بقذف ولي الله بالزنى»(10). وذهب هود بن محكَّم كذلك إلى أَن الإيمان لا يُقبل ممن يرى أَنَّهُ يَنقص [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 385]. فدل بذلك على أن الإِبَاضِيَّة ترى الإيمان يزيد ولا ينقص، لأن نقصانه يعني انهدام المعتقد، وهذا يخرج عن الإيمان والإسلام.

3 - أنواع المعاصي:

تنقسم المعصية إلى قسمين: الصغيرة والكبيرة.

أ- الصغيرة:

يعرف ابن سلام المعصية الصغيرة بِأَنَّهَا: «التي لا عقاب عليها في الحكم في الدنيا» [ابن سلام: شرائع الدين: 67]، فابن سلام حدد الصغيرة بالمعصية التي لم يشرع الله حدا لمرتكبها في الدنيا، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (سورة النجم: 32) [ابن سلام: شرائع الدين: 67]، واللمم حسب أبي عبد الله محَمَّد بن محبوب هو ما دون الكبائر التي تكون بين الله وعباده، والله يغفره إذا كان الفاعل ممن يدين لله تعالى بالتوبة منه.

ب- الكبيرة:

(1) للمدارس الإسلامية تعاريف عدة للإيمان فالمرجئة ترى الإيمان فعلُ القلب دون اللسان، وقال جمهور أهلِ الإرجاء: هو فعل القلب واللسان معًا. وقال أهل السنة: الإيمان هي الطاعات كلها بالقلب واللسان وسائر الجوارح. انظر: ابن منده: الإيمان: 1/ 332.

(2) ترتيب المسند: ح: 91، انظر كذلك: ح: 302.

(3) د. أحمد صبحي: الأشاعرة: 67.

(4) البيهقي: الاعتقاد: 2/ 174.

(5) البيهقي: المصدر نفسه: 2/ 181.

(6) البيهقي: المصدر نفسه: 2/ 174.

(7) الجعبيري: البعد الحضاري: 2/ 498.

(8) جابر بن زيد: رسائل الإمام جابر بن زيد (مخ): 84.

(9) رواه البخاري: كتاب: المظالم والغصب، باب: النهبى بغير إذن صاحبه، رقم: 2295.

(10) العوتبي: الضياء: 4/ 28.

٢١ / ٢٦