التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ٢٤

تتقارب تعاريف العلماء للكبيرة في المعنى وإن اختلفت في الصياغة والاعتبار، فأبو الحواري الإباضي المشرقي فقحدد الكبيرة من خلال الوعيد الذي يلحق مرتكبَها في الدنيا والآخرة فقال: «كل ذنب أوجب الله عليه النار في الآخرة لمن عمل به، والحدَّ في الدنيا»(1). وأما عمروس بن فتح فقد وسع في تعريف الكبيرة فرأى أن «كل ما حرم الله حراما، وما نهى عنه فهو الحرام الذي حرمه الكتاب والسنة فأضاف فاعله إلى النار» [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 104] ويقول أيضا: «وما سمى الله أهله بشيء من أسماء الضلال فهو كبيرة، وما أمر الله عليه بالنكال في الدنيا فهو كبيرة» [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 104].

4 – تسمية صاحب الكبيرة:

يعتقد أهل السنة أن صاحب الكبيرة لا ينتقل بمعصيته من الإيمان والإسلام إلى الكفر، بل يثبت له اسمُ الإيمان، ويستدلون على رأيهم بآية القصاص التي لا تنف اسم الإيمان عن القاتل(2)، يقول تعالى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (سورة البقرة: 178)، بينما يطلق الإِبَاضِيَّة اسم الإيمان على الموفي بدينه، ولا يطلقونه على صاحب الكبيرة، ويأتي رأيهم هذا موافقا لتعريفهم الإيمان بِأَنَّهُ قول وعمل، وأن انتفاء العمل دليل على انتفاء التصديق، وهذه أقوالهم في المسألة:

- يستدل ابن سلام على زوال الإيمان عن صاحب الكبيرة بإيراده قوله تعالى: ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (سورة البقرة: 124)، ويقول عن معنى الآية: «لا ينال ما عهد إليك من النبوة والإمامة في الدين؛ الظالم لنفسه من ذريتك، ليس ينال ظالمهم إيمانك» [ابن سلام: شرائع الدين: 97].

- نفى هود بن محكَّم الإيمان عن الزاني والزانية، لأن الله أمر المؤمنين بعدم الشفقة والرحمة عليهم حين الجلد، وهذا على عكس المؤمنين الذين أثبت لهم الرحمة، فيقول: «لوكانا مؤمنَين لم ينزع الرأفة التي جعلها للمؤمنين»، ثُمَّ يستنتج كذلك أن الآيتين الواردتين في عقاب الزناة دليل لِكُلِّ ذي حجى و لجى على أن الزاني ليس بمؤمن [تفسير كتاب الله العزيز: 3/ 159]. أَمَّا في تفسيره للآية الواردة في المنافقين، في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (سورة الأحزاب: 19) فيقول: «لم يؤمنوا، فيكملوا الإيمان بالتقوى» [هود بن محكَّم: المصدر نفسه: 3/ 361].

- ينتهج عبد الله بن يزيد الفزاري نهج الإِبَاضِيَّة في هذه المسألة، ويرى أن الإجماع وقع من النكار، والمعتزلة، وجميع من يخالفه باستثناء المرجئة، على أن أهل الأحداث من أهل القبلة ليسوا بمؤمنين جميعا [الفزاري:

(1) أبو الحواري: تفسير خمسمائة آية: 178؛ انظر: هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 374، 4/ 242.

(2) ابن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية: 360، 361.

٢٢ / ٢٦