التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ٢٦كتاب القدر (مخ): 44ظ].
وعليه فمن مجموع استدلالات علماء الإِبَاضِيَّة يتبين أَنَّهُم لا يسمون صاحب الكبيرة الذي لم يتب من معصيته مؤمنا، كما أنهم لا يسمونه مشركا وإنما يقولون عنه أنه كافر كفر نعمة [هود بين محكم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 158]. وكافر كفر دون كفر. وفاسق [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 474]. ومنافق؛ وحول التسمية الأخيرة يعلق عمروس بن فتح على قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العنكبوت: 03) المقصود بهم في الآية هم المنافقون، لأَنَّهُم أهل الخيانة والتضييع للعمل الذي أقروا به، فسماهم الله منافقين [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 72]. كما تحدث هود بن محكَّم كثيرا عن المنافقين في تفسيره، إذ نجده في كل آية تشير إلى عدم الوفاء بشرع الله، والتقصير في التزام أوامره حريصا على بيان أن المعنيين في الآية هم المنافقون الذين أخلوا بطاعة الله، فيفسر مثلا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (سورة البقرة: 204) بأنه «المنافق الذي يقر بالإيمان ولا يعمل بالفرائض» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 194].
والمقصود بالنفاق لصاحب الكبيرة هو النفاق العملي وليس الاعتقادي الذي يعني إضمار الشرك، وفي هذا يقر عمروس بن فتح أن أهل النفاق لا يُسمَّون مشركين، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ (سورة الأحزاب: 73)، فالمنافقون استحقوا هذه التسمية لإتيانهم المعاصي دون الشرك [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 74].
5 - التوبة وشروط قبولها:
من رحمة الله بعباده أن فتح لهم باب التوبة على مصراعيه، لمن يريد أن يتطهر من معاصيه قبل أن يغرغر، أو تطلع عليه الشمس من مغربها، ومن شروط قبول التوبة أن تكون نصوحا لوجه الله، وفي ذلك يقول: ابن سلام: «وندين بالتوبة من الذنب توبة نصوحا، وهي ألا يعود التائب إلى ذنب تاب منه كما لا يعود اللبن إِلى الضرع» [شرائع الدين: 92]، ويقول محبوب بن الرحيل بعد ذكر الموبقات: «فهذا كله موجب موبق بمن انتهك منه شيئا حَتَّى يتوب متابا»(1).
أَمَّا عبد الرحمن بن رستم فَإِنَّهُ فصل في هذه الشروط فذهب إلى تذكير التائب بِأَنَّهُ: «أولى الناس بالإزراء على نفسه، والتصغر لشأنه … وإذا ذكر ذنوبه شغلته عن ذنوب غيره، وإذا أبصر عيبا من غيره تذكر نفسه، إن تاب من عيبه حمد ربه لا يدري أقبلت توبته أم لا، يشفق على نفسه طالبا خلاص نفسه بما
(1) الدرجيني: طبقات المشايخ: 2/ 280.