التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ٢٧

استطاع»(1).

6 - الخلود في النار:

اتَّفَق علماء الإِبَاضِيَّة على خلود المشرك في النار، كما اتَّفَقوا على خلود صاحب المعصية في النار(2)، وأقوال علماء إِبَاضِيَّة المغرب الإسلامبي وأدلتهم حول إثبات الخلود في النار للعصاة هي: قوله تعالى: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة الأنعام: 128) استدل هود بن محكم بالآية على خلود العصاة في النار، معتبرا أن الاستثناء الوارد فيها يشير إلى تأجيل العقاب في جهنم إلى ما بعد عذاب القبر، فقال: «إِلاَّ قدر ما تخرجون من قبوركم، فتحاسبون بأعمالكم الخبيثة، فتعاقبون عليها، وتخلَّدون في النار، فلذلك استثنى من الخلود ما ذكرنا، إِلاَّ قدر ما وصفنا» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 560]. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (سورة النساء: 93) ذهب هود بن محكَّم إلى أن وعيد الله بخلود القاتل العمد هو نفسه الوعيدُ الذي أطلقه لمن كفر (كفر نعمة ونفاق) بقسمة المواريث في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (سورة النساء: 14) [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 1/ 109].

اعتمد عمروس بن فتح في الرد على القائلين بعدم خلود العصاة بتضعيف وتكذيب روايات الحديث التي تثبت خروج العصاة من النار، لأَنَّهَا -في نظره- تخالف الأَدِلَّة القطعية من كتاب الله، فحكم على أن الله أكد في غير موضع على أن من دخل النار يبقى خالدا فيها وماهم منها بمخرجين، وأنهم ماكثون ولهم عذاب مقيم [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 82]، ثُمَّ رد عليهم في أسلوب عقلي، معتمدا على أن مذهبه لا يؤدي إلى حرجٍ إذا كان خصمه على حق، بخلاف خصمه فإن كان على غير حق فسيقع في حرج خلود من كان يعِده بعدم الخلود، فقال: «فلو أن الذي قالوا حقا كنا ممن سعد به ولا يضرنا خلافُهم … » [عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 82].

(1) عبد الرحمن بن رستم: كتاب عبد الرحمن بن رستم (ضمن جامع ابن جعفر): 1/ 95.

(2) انظر: الخليلي: الحق الدامغ: 183 - 225؛ الجعبيري: البعد الحضاري: 715 - 764؛ وينتن: آراء الشيخ اطْفِيَّشْ العقدية: 437 - 472.

٢٤ / ٢٦