الحق الدامغ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفصل الأول إختلاف الناس في خلود الجنة والنار

الجزء ١ · صفحة ١٨٩

أفكارها على أسس مادية بحتة، وهي الجهمية ـ فقد استندت إلى شبهتين

الأولى: أنَّ دوام المخلوقين مناف لاتصاف الله بالآخرية، فإن من أسماء الله الأول والآخر، ومعنى أوليته سبقه على كل موجود، وهكذا يلزم أن يكون معنى آخريته بقاؤه بعد كل موجود

الثانية: أن أنفاس أهل الدارين لا تخلو إما أن تكون معلومة له تعالى وهو يستلزم حصرها، وحصرها لا يتفق مع دوامهم، وإما أن تكون غير معلومة، وهو لا يتفق مع وصفه أنه بكل شيء عليم

وأجيب عن الأولى، بأن دوام حياة المخلوقين في الدار الآخرة لا ينافي آخريته تعالى، لاختلاف دوامهم عن دوامه، فإن دوامه ذاتي ودوامهم بإدامته إياهم، فلذلك كان حقيقاً بصفة الآخرية دونهم.

وعن الثانية، أن استمرار أنفاسهم لا ينافي أن يكون علمه تعالى محيطاً بها فإن علمه علم ذاتي لا يجوز أن يقاس على علم المخلوقين.

أما الطائفة الأولى

فقد استدلت لمذهبها بفلسفة مادية، مبنية على النظر في طبائع الأشياء المحسوسة، وملخصها أن بقاء الأجسام متعذر لأنها مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية، فهي معرضة للاستحالات المؤدية إلى الانحلال.

وأجيب بأن اعتقاد قدرة الله تعالى على كل شيء ينفي هذا الإشكال من أصله، إذ لا يمتنع أن تعاد الأبدان بطبيعة أخرى لا تتحلل معها، أو أن تكون كلما تحلل منها شيء عُوِّضت عنه بما يخلفه.

وإيقان المؤمنين أن الله تعالى على كل شيء قدير لا يدع لهذه الشبهة أدنى أثر في نفوسهم، فإن الله سبحانه الذي طبع الأجسام في هذه الدار الدنيا بما طبعها به، من التضاد بين أجزائها المركبة، لا يعجزه أن يطبعها يوم

١٨٩ / ٢٣٩