الفصل الثاني أدلة القائلين بانقطاع العذاب
الجزء ١ · صفحة ١٩٨الله في الإنسان هي التوحيد والتقوى والإخلاص غير أنها تتكدر بأكدار من العصيان متفاوتة، منها ما تصقله الدعوة، ومنها ما يصقله العذاب الموقوت بأمد أقل، ومنها ما يحتاج صقله إلى فترة أطول في العذاب، وأن الغاية من ذلك أن يدرك الإنسان ضعفه بين يدي ربه وافتقاره إلى رحمته، واضطراره إلى لطفه، وعدم طاقته على تحمل نقمته مع إدراكه قوة الله وبطشه، وأنه عظيم المن والإحسان إلى خلقه، فإذا أدرك العبد ذلك وانجلت فطرته من صدأ العصيان، وتراجع إيمانه بعدما طار به طائر الكفران لم يبق معنى لتعذيبه، لأن الله تعالى منزهة أفعاله عن التجرد من الحكمة، ولا حكمة في العذاب الدائم، وقد وزع ابن القيم ما استنتجه من هذه الفلسفة وتأوله من القرآن، واستند إليه من الآثار إلى خمسة وعشرين وجهاً.
وقد أورد صاحب المنار نص كلامه في حادي الأرواح، وأتبعه من عبارات الإعجاب والثناء ما يدل على أنه منجذب إليه، وذلك في تفسير آية المشيئة من سورة الأنعام (1)، وهو مخالف لما سبق نقله عنه في تفسير الاستثناء بالمشيئة في آية هود، كما أنه مخالف لما نقلناه عنه من كلامه في مقدمة تفسيره لسورة البقرة، وما سننقله إن شاء الله عنه من النصوص الأخرى.
ويدحض هذه النظريات أن الله تعالى لا تتقيد أفعاله بأنظمة تحكمها عقول البشر، ولا ترتبط بنواميس تستوحىَ من خيالات الناس، وإنما يفعل - جل شأنه - ما يشاء ويحكم ما يريد، (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) وعلينا أن نعتقد أن عقولنا المحدودة أكَلَّ وأعجز وأحسر من أن تحيط بحكمه تعالى في أفعاله، أو تكتنه أسراره في خلقه (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الآية 85 من سورة الإسراء،
(1) أنظر المنار ج8 ص98/ 99