جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٢١٢كان في سفر فنعى إليه أخوه قثم فتنحى جانبا عن الطريق واسترجع وصلى ركعتين ثم أقبل على راحلته وهو يتلو: ( واستعينوا بالصبر والصلاة )، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان أنه رضي الله عنه نعى إليه ابن له وهو في مسير فنزل فصلى ( واستعينوا بالصبر والصلاة )، وذكر(ركعتين ثم قال: فعلنا كما أمرنا الله، فقال: بعضهم أن المنعى إليه ابنته، وقد روى مثل ذلك عن غيره من الصحابة كما روي عن جماعة من التابعين، ويفهم من ذلك أن السلف فهموا أن الخطاب غير قاصر على بني إسرائيل من حيث المعنى والطلب وإن يكن من حيث اللفظ مسوقا إليهم.
وذهب بعض المفسرين إلى أن الصبر المطلوب هنا هو الصبر على أعمال الصلاة ومطالبها، واستدل بقوله تعالى: ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها )(1) وهو رأي واهِ لأن ما استدل به لا ينافي طلب الصبر في مطلق الحالات وعلى كل التكاليف، وفسر آخرون الصلاة هنا بالدعاء مع حمل الصبر على مفهومه العام، وعلى هذا فالآية من باب قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا )(2) ، لأن الثبات من الصبر والدعاء من جملة الذكر، وأنتم تعلمون أن حمل الألفاظ الشرعية في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على معانيها اللغوية التي نقلها الشرع عنها لا يصار إليه إلا بدليل، فحمل الصلاة هنا على الدعاء لا داعي إليه لا سيما وأن الأدلة ظاهرة – من الشرع والواقع – على أن الصلاة من أهم العوامل في الثبات على الخير والتجرد عن ضده.