جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٢١٤ويطلق الكبير على الشاق لأن احتمال الكبير أشق على النفس من احتمال الصغير سواء كان الكبر حسيا أم معنويا، ومن هذا الباب قوله تعالى: ( كبر على المشركين ما تدعوهم إليه )(9) ، وقوله: ( وإن كان كبُر عليك إعراضهم )(10) ، وهذا هو المعنى المراد هنا، وإنما شقت الصلاة على غير الخاشعين لما تستلزمه من حبس المصلي ظاهره وباطنه عن الالتفات إلى غير ما هو مقبل عليه وتقييد الجوارح عن حركاتها المألوفة، فهي عبادة يشترك فيها الجسم والروح، والعقل والقلب، ولا تدع مجالا للإشتغال بغيرها حال أدائها.
والخشوع لغة التطامن والانخفاض، يقال خشعت الرملة إذا تطامنت، وخشع الجدار إذا نزل، ومنه قول الشاعر:
ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع ......
والخشوع الشرعي هو تذليل النفس لله تعالى وحبسها عن التمرد على طاعته والعصيان لأوامره ونواهيه مع استشعارها عظمته التي لا تكتنه، وكبرياءه التي لا تحد، وفسر ابن عباس رضي الله عنهما الخاشعين بالمصدقين، ومجاهد بالمؤمنين، وأبو العالية بالخائفين، ومقاتل بالمتواضعين، والضحاك بالخاضعين لطاعته، الخائفين سطوته، المصدقين بوعده ووعيده، وأغلب هذه التفاسير من باب تفسير الشيء بلوازمه، وروى عن سفيان الثوري أنه قال: سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوري أتريد أن تكون إماما وأنت لا تعرف الخشوع؟ سألت إبراهيم النخعي عنه، فقال: يا أعيمش أتريد أن تكون إماما وأنت لا تعرف الخشوع؟
ليس الخشوع بأكل الخشن، ولبس الخشن، وتطأطؤ الرأس لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك(11) .