جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٤هذا وقد ذكر الأستاذ الإمام أن اليهود الذي خوطبوا ببيان هذه الحقيقة كانوا – كغيرهم من أهل الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء المصريين واليونان – يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بفداء يدفع بدلا وجزاء عنه – كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية – أو بشفاعة من بعض المقربين إلى الحاكم يغير بها رأيه ويفسخ إرادته، ثم ذكر أن الإسلام اكتسح هذه العقائد وآثارها العملية بالتوحيد الخالص وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزارا مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن، ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة، ولُقنوه كما ترشد إليه كتب التقليد من مصطلحات مبتدعة، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل بالإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا بالتأويل الباطل حقا والكذب صدقا.
وبعد أن ذكر بعض العادات المصرية التي لا تزال يعمل بها باسم الدين وهي من إرث قدماء الوثنيين عطف العنان إلى ما كان اليهود يعتقدونه مكفرات كقربان الإثم، وقربان الخطيئة وقربان السلامة، والمحرقة، والاكتفاء ممن لم يجد القربان بحمامتين يكفر بهما عن ذنبه.
وقال: وكانوا يفهمون أن هذه الأشياء تكفر الذنوب بذاتها، والحق أنها عقوبات لا مكفرات ومن فهم التوراة حق فهمها يعلم أن المكفر الحقيقي هو التوبة والإقلاع عن الذنب، وإنما تقديم القربان يكون تربية وعقوبة(14) .
ومن الظاهر لمن تدبر كلامه أنه يرى أن اعتقاد الشفاعة لمن مات مصرا على الكبيرة غير تائب منها من المعتقدات التي سرت إلى هذه الأمة من معتقدات الأمم الأخرى الذين كانوا يسوغون لأنفسهم ارتكاب الموبقات، والإنغماس في أنواع الخطايا، ويمنون أنفسهم الفوز والسعادة بشفاعة الشفعاء، غير ملتفتين إلى وعيد الله تعالى.