جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٢٣٧

ومما يدعو إلى الاستغراب التناقض الغريب بين كلامي الفخر الرازي في هذا الموضوع، فبينما نجده يقول: ( إن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث أنه لا يقين له في البقاء صار حذرا خائفا في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم )(2) .

إذا به يجادل بغير هدى من الله مدعيا أنه نفي الشفاعة خاص بغير المؤمنين وأعجب من ذلك دعواه أن قوله تعالى: ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة )(3) ، محمول كذلك على هذه الخصوصية(4) ، متعاميا عن افتتاحه بـ( يا أيها الذين آمنوا .. )، وقد كان الجدير بأمثاله من أولي الأقدام الراسخة في العلم والفهم أن لا ينثنوا عن الحقيقة إلى الوهم وأن يترفعوا عن التعصب إلا للدليل نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

والجواب عن الثاني أن ما ذكروه من ثبوت شفاعته صلى الله عليه وسلم الرافعة لدرجات المؤمنين لا يتعارض مع ما دلت عليه هذه الآية حتى يُعد مخصصا لها فإن ذلك إنما هو في قوم وفّوا بما عليهم منه واجب واحترزوا من المهلكات وتداركوا أمرهم بالتوبة والإقلاع عن مساخط الله تعالى، فليست الشفاعة دارئة عنهم عقابا استحقوه، وإنما غاية ما في الشفاعة لهم طلب أن يزيدهم الله فضلا على فضله الذي آتاهم من قبل أما في هذه الآية وأمثالها فهي ناصة على أن كل أحد مجزي بحسب ما عمل، فلا تدرأ الشفاعة عن أحد عقابا استحقه، ولذلك صدرت بالأمر باتقاء ذلك اليوم.

١٬٠٥٦ / ١٬٤٤٧