جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ١ · صفحة ١١١

فالعرب كانت الخمر عندهم من أحب الأشياء إلى قلوبهم والإنفاق فيها من أحسن السخاء عندهم كما دل على ذلك أشعارهم التي يفتخرون فيها بمعاقرة الخمر والقضاء على الطارف والتليد فيها ولكن لم يكد يقرع مسامعهم قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونََ) ( المائدة/90، 91) حتى نزعوا الأقداح من الشفاه وأراقوا ما فيها من شراب كانت تصدى إليه أكبادهم، وتتشوق إليه قلوبهم ولم يكتفوا بذلك حتى قاموا إلى الدنان فحطموها فكانت الخمر التي هي من أعز الأشياء عندهم تجري أنهارا في زقاق المدينة ولم يكن شيء من ذلك خشية من صوت لاذع أو سيف صارم أو سجن رهيب وإنما كان ذلك لما وقر في قلوبهم من الإيمان واستقر فيها من حب الله وخوفه ورجائه وإن شئت فقس ذلك إلى ما ذكره بعض الكاتبين أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت لمدة أربعة عشر عاما أن تحرم الخمر فلم تبق وسيلة من وسائل المدينة الحديثة كالصحافة والأفلام إلا استعملتها للكشف عن مضار الخمر وتنفير الناس عنها، كما استعملت كل قسوة وشدة في العقوبة عليها وكان ما نشرته من الصحف عشرة ملايين صحيفة وتكلفت في تفنيد هذا القانون ربع مليون جنيه ،وصادرت من الأموال أربعمائة وأربعة ملايين من الجنيهات وعاقبت بالإعدام ثلاثمائة شخص وبالسجن خمسمائة ألف واثنين وثلاثين ألفا وثلاثمائة وخمسة وثلاثين ومع ذلك فإن الناس ازدادوا إقبالا على الخمر وتفننا في الاحتيال على حصولها مما اضطر الحكومة الأمريكية إلى إلغاء قرارها وفي هذا ما يكفي دليلا على فشل الأنظمة البشرية وتعذر

١١١ / ١٬٤٤٧