جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٣٠٠

وما هذا العقاب الدنيوي إلا ضرب من ضروب التربية النفسية لهم، فإنهم قوم قست قلوبهم، وعتت نفوسهم، لما مردوا عليه من الكفر وألفوه من الضلالة، فكم عاندوا موسى عليه السلام وآذوه وأصروا على هوى أنفسهم واستكبرا استكبارا، وواجهوا المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة بالصدود والتكذيب، فكانوا أحرياء بأن يؤدوا ضريبة دموية تكون تطهيرا لخطاياهم وإصلاحا وتقويما لنفوسهم.

والقوم هم الجماعة المترابطة المتآزرة، وسموا كذلك لأنهم جميعا يقومون بمصالح بعضهم بعضا، ولما كانت هذه هي مهمة الرجال غالبا كان إطلاقه عليهم وحدهم هو الأغلب، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ( لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن )(2) فإن العطف من شأنه التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وقول زهير:

ويطلق على الجماعة الجامعة للذكور والإناث، ومنه قوله تعالى: ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه )(3) ، فإن رسالته ليست خاصة بالذكور، وإنما هي شاملة لهم وللإناث، واختلف فيه هل هو من باب المشترك، أو أن حقيقته في الذكور، وإطلاقه على الذكور والإناث معا تغليب، وهذا هو الأظهر لأن الأصل عدم الاشتراك، وفائدة النص على أن قوله كان لقومه مع ابتداء خطابه بـ (يا قوم) التنبيه على أن هذا الخطاب ما كان بواسطة بينه وبينهم، بل كان منه لهم مباشرة.

وابتداء خطابهم بـ (يا قوم) مشعر بتلطفه بهم، وحنوه عليهم ليكون ذلك أدعى إلى تعاطفهم معه واستجابتهم لأمره، وقبولهم لنصحه، فإن من شأن الناس أن يكونوا أوثق بأبناء جلدتهم لا سيما في القضايا المشتركة والمصالح العامة.

وقد ابتدأ عليه السلام نصحه لهم بإيقافهم على فحش خطئهم، وإيقاظهم أنهم لم يظلموا به إلا أنفسهم، فإن مغبة ما ارتكبوا عائدة إليهم، وسوء ما عملوا حائق بهم.

واتخاذهم العجل إما تأليههم له وإما صنعه لأجل عبادته.

١٬١١٩ / ١٬٤٤٧