جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٠١والفاء في قوله: ( فتوبوا )سببية لأن وجوب التوبة عليهم مسبب عن هذا الظلم الذي ظلموه أنفسهم باتخاذهم العجل.
والبارئ الخالق مع شيء من الفارق الدقيق في مفهوم اللفظين، وذلك أن البارئ هو المبدع المحدث، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال؛ وقيل: الخلق دال على مطلق الإيجاد، والبرء هو إيجاد الشيء بريئا - أي خالصا- من وصمة التفاوت بين أجزائه، كطول إحدى اليدين مع قصر الأخرى، وكبر إحدى العينين مع صغر الثانية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت )(4) ، وأصله الانفصال، كما يقال: برئ من كذا، إذ تخلص منه، ومنه برئ المريض، وذلك أن الخلق فصلوا بهذا الإيجاد من العدم إلى الوجود.
وهمزة بارئكم مكسورة عند الجمهور، وسكنها أبو عمرو - وهو أحد السبعة- ولحنه أبو العباس المبرد زاعما أن التسكين غير جائز في حرف الإعراب في نثر ولا شعر، ورد بأن قدماء النحويين أجازا ذلك وأنشدوا:
وقول امرئ القيس:
ولعل الذي سوغ التسكين في قراءة أبي عمر اجتماع ثقل الكسرة والهمزة مع توالي ثلاث حركات.
وفاء (فاقتلوا) للسببية كالتي قبلها، والسبب هو اتخاذ العجل إن قيل بأن القتل نفسه هو التوبة، وعليه فجملة (فاقتلوا) بدل من جملة (فتوبوا) أو التوبة إن قيل بأنه شرط من شروط صحتها، ككفارة الحنث، فإنها من شروط توبة الحانث وليست عينها، وهذا هو الأظهر لأن للتوبة أركانا معلومة تقدم ذكرها في تفسير قصة آدم، واختلفوا في حكم هذا القتل، قيل: بأنه خاص بهذه المعصية في هذه الواقعة بعينها، وقيل: بأنه تتوقف عليه توبة كل مرتد من بني إسرائيل حسبما شرع لهم، والأول هو الظاهر إذ لم يثبت أنهم أمروا بقتل أنفسهم في غير هذه الواقعة مع كثرة ما صدر عنهم من موجبات الكفر، كقولهم: ( إن الله فقير ونحن أغنياء )(5) .