جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٠٨وعليه فيكون هؤلاء من الذين ماتوا وأحيوا بعد الموت في الدار الدنيا ( كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه )(6) ، وكالذي أخبر الله عنهم بقوله: ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم (7)) ، ويدخل ذلك في مقدورات الله الخارجية عن السنن المعهودة، وبهذا تعلمون أنه لا داعي إلى السؤال والجواب اللذين أوردهما الإمام ابن عاشور في قوله: ( فإن قلت إن الموت يقتضي انحلال التركيب المزاجي فكيف يكون البعث بعده في غير يوم إعادة الخلق؟ قلت الموت هو وقوف حركة القلب وتعطيل وظائف الدورة الدموية، فإذا حصل عن فساد فيها لم تعقبه حياة إلا في يوم إعادة الخلق، وهو المعنى بقوله تعالى: ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى )(8) ، وإذا حصل عن حادث قاهر مانع وظائف القلب من عملها كان للجسد حكم الموت في تلك الحالة، لكنه يقبل الرجوع إن عادت إليه أسباب الحياة بزوال الموانع العارضة،وقد صار الأطباء اليوم يعتبرون بعض الأحوال التي تعطل عمل القلب اعتبار الموت، ويعالجون القلب بأعمال جراحية تعيد إليه حركته،والموت بالصاعقة إذا كان عن اختناق أو قوة ضغط الصوت على القلب قد تعقبه الحياة بوصول هواء صاف جديد، وقد يطول زمن هذا الموت في العادة ساعات قليلة، ولكن هذا الحادث كان خارق عادة، فيمكن أن يكون موتهم قد طال يوما وليلية كما روي في بعض الأخبار،ويمكن دون ذلك )(9) .
ولعل العلامة ابن عاشور لم يستحضر عندما كتب الذي كتبه هنا آيتي 243 ، 259 من هذه السورة اللتين سبق ذكرهما، وأن من معجزات موسى إحياء الموتى، كما نص عليه في سورتي آل عمران والمائدة.
وذهبت طائفة إلى أن ميتتهم هذه لم تكن ميتة حقيقية، بل كانت ميتة همود وسكون، ثم أرسلوا، وذلك على حد قوله تعالى: ( ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت (10)) .