جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٦وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة، وعن ابن عباس أنهم قالوا: حنطة، والروايات في ذلك متعددة، والجمع بينهما محتمل بأن يكونوا قالوا كل ذلك سخرية واستخفافا، وقد أخذ بهذه الروايات جمهور المفسرين، وخالفهم أبو مسلم الأصفهاني من المتقدمين، فحمل التبديل على مطلق المخالفة سواء دخلوا على غير الوجه المطلوب أو لم يدخلوا رأسا، لأن في كل ذلك تبديلا لما أمروا به، فهو تبديل لقول الله واستشهد لتفسيره هذا بقوله تعالى: ( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله )(24) فإن التبديل المقصود هنا لا يُقصد به وضع كلمة مكان أخرى، وما هو إلا مجرد مخالفتهم لحكم الله، وانتقد الألوسي قول أبي مسلم وقال: ( ظاهر الآية والأحاديث تكذبه )(25) .
ووافق أبو مسلم من مفسري المتأخرين الإمامان محمد عبده ومحمد رشيد رضا في سورتي البقرة والأعراف، وقد عد الإمام محمد عبده الروايات المنقولة من الإسرائيليات التي لا يجوز أن يُحشى بها تفسير كلام الله، ووجه السيد محمد رشيد كلامه بما حاصله أن حديث أبي هريرة وإن روى في الصحيحين لم يثبت رفعه لاحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من كعب الأخبار لعدم تصريحه بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى أن رواية عن أبي هريرة همام بن منبه أخو وهب وهما صاحبا الغرائب في الإسرائيليات(26) .
وهذا ليس بشيء، فإن أبا هريرة رضي الله عنه صرح – كما في رواية البخاري في التفسير وأحاديث الأنبياء – بإسناد هذا القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبق مجال للشك الذي ذكره صاحب المنار.