جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٤١والأصل في الاستدلال أن تأخذ شيئا مكان شيء تعطيه، ومن المعتاد أن لا يكون ذلك إلا ونفس المستبدل فيما تأخذ أرغب وفيما تعطي أزهد، ثم أُطلق في مُطلق التلبس بشيء وترك غيره كاستبدال التائب التقوى بالفجور والطاعة بالعصيان، ومثله أن يأخذ المقاتل سلاحا ويدع غيره، ولا يصاغ فعل من مادته إلا مزيدا، كأبدل، وبدِّل، واستبدل، فكأنه أميت فعله المجرد، والتبدل والاستبدال مترادفان كالتكبر والاستكبار.
وبما أن مدلول البدل ومشتقاته يتعلق بأمرين كانت الأفعال الناشئة عن هذا الأصل تتعدى إلى مفعولين، تارة بنصبهما معا وتارة بنصب أحدهما وجر الآخر بحرف يتعلق بالفعل، وفصل الإمام ابن عاشور هذا الاختلاف في الاستعمال باختلاف المعاني المقصودة حيث قال: ( فإذا تعدى الفعل إلى مفعولين نحو ( يوم تبدل الأرض غير الأرض )(8)
كان المفعول الأول هو المزال والثاني هو الذي يخلفه، نحو قوله تعالى: ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات )(9)
( يوم تبدل الأرض غير الأرض )قولهم: أبدلت الحلقة خاتما، وإذا تعدت إلى مفعول واحد وتعدت إلى الآخر بالباء وهو الأكثر فالمنصوب هو المأخوذ والمجرور هو المبذول، نحو قوله هنا: ( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير )، وقوله: ( ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل )(10) ، وقوله في سورة النساء: ( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب )، وقد يجر المعمول الثاني بمن التي هي بمعنى باء البدلية كقول أبي الشيص:
وقد يعدل عن تعدية الفعل إلى الشيء المعرض ويُعَدَّى إلى آخذ العرض فيصير من باب أعطى فينصب مفعولين ويُنّبه على المتروك بما يدل على ذلك من نحو كذا وبعد كذا، كقوله تعالى: ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً )(11) التقدير ليبدلنّ خوفهم أمنا، هذا تحرير طريق استعمال هذه الأفعال.