جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٣٤٤

ولفظ ( خير ) للتفضيل، والخيرية المقصودة إما أن تكون باعتبار قيمة المن والسلوى، فإن البقول التي طلبوها لا تسوى شيئا بجانبهما، وإما لكونهما ساقهما إليهم نعمة خالصة، ففي أكلها استدامة لشكر الله بجانب كونه امتثالا لأمره، وبهذا يحصل لهم من الأجر والثواب بسببهما ما لا يحصل بغيرهما؛ وإما لخلوصهما من العناء والتعب، بخلاف ما طلبوه فإنه يستدعي الحرث والسقي والإصلاح والحصاد، وما كان خاليا من العناء فهو خير مما توقف عليه؛ وإما لأن الطبع أميل إلى ما كان ألذ وأطيب من المطاعم وغيرها، والبون شاسع في ذلك بين ما أوتوه وما سألوه، وإما لخلوص المن والسلوى من شوائب الحُرَمِ والشُّبَه، بخلاف تلك البقول لضرورة زرعها، والزرع يتوقف على البذر والأرض، وهما مما تدخله الحُرَمِ والشُّبَه، لإمكان غصبهما أو سرق البذر أو مرورهما بعقود غير جائزة شرعا، ولا يخفى فضل ما تيقنت حليته على ما احتمل الشبهة والحرام، وإما لأن المن والسلوى أعظم نفعا وأجدى عذاء للأبدان؛ وقد عد أبو حيان في بحره هذه الاعتبارات أقوالا، وأرى كونها وجوها أقرب لعدم تعارضها، وإن أوردها المفسرون متفرقة، وأراها جميعا مقصودة بالخيرية.

والاستفهام للإنكار، والأمر بهبوط مصر تابع له، فمصدرها واحد وهو موسى عليه السلام ، خلافا لأبي حيان القائل بتقدير محذوف بينهما، أي فدعا موسى ربه قال: ( اهبطوا )(16) .

والتعبير بالهبوط لأن المقام إلى بلد كمن ينصب عليه .

والمصر البلد، وأصله الحدُّ بين الأرضيين، ويحكى عن أهل هجر أنهم كانوا يكتبون ( اشتري الدار بمصورها )، ومنه قول الشاعر:

١٬١٦٣ / ١٬٤٤٧