جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٨٧والعمل الصالح ما وافق أمر الله ونهيه فيدخل فيه اجتناب المنهيات لأن الخير لا يجتمع مع ضده، والاكتفاء بإجماله في الآية لمعرفة الفئات المذكورة فيها بتفاصيله بما عندهم من علم الكتاب، وإن من الأعمال الصالحة ما لم يختلف فيه الكتب المنزلة، كإفراد الله بالعبادة، واجتناب كل ما أدى إلى الإشراك به أو أدنى منه، وعون الضعفاء وإغاثة الملهوفين ونصرة المظلومين، ومعاملة الناس بالحسنى.
والأجر: الجزاء، وسُمِّيَ جزاؤهم أجراً لأنهم أُمروا فامتثلوا وحُمِّلوا فتحمَّلوا، فكانت أعمالهم كأعمال الأجير إلي يطمع في صاحب العمل أن يُوفِّيه أجره، وكونه ( عند ربهم ) مما يضاعف طمأنينتهم فإنه في مستودع آمن، وقرارٍ مكين، إذ لا يصل إليه مختلس ولا غادر وإنما يوفِّيهم إياه ربُّهم كما وعدهم به.
وقد مضى تفسير الخوف والحزن.
وذكر جماعة من أهل التفسير لنزول الآية سبباً، وهو أن سليمان الفارسي رضي الله عنه حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر أصحابه فقال: ( كانوا يصلون و يصومون ويؤمنون بك ويشهدون أنك ستبعث فلما فرغ سليمان من ثنائه عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا سليمان هم من أهل النار ) ، فشق ذلك على سليمان فنزلت الآية، وهذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لمعارضته ما ثبت عنه بالنصوص القاطعة أنه لا ينطق عن الهوى ولم يكن ليقول على الله ما لا يعلم، إذ هو مبلغ في أخباره عن الله، فلا يمكن أن يقول عن أحد هو من أهل النار، وليس كذلك، والرواية محكية من طريق السُّديّ وهو معروف بنقل الغرائب التي لا يصح عقلا ولا نقلا، هذا بجانب سقوط أكثر من راوٍ في سندها، ولئن صحَّ كون سؤال سليمان سببا لنزولها فقد نزلت قبل أن يجيب النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، وهذا الذي تفيده رواية ابن أبي حاتم عن سليمان ونحوه عن مجاهد عند الواحدي.