جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٤والأخذ مجاز في التلقي والقبول؛ وما أوتوه هو التوراة أو الشريعة التي تضمنتها، والمؤدى واحد؛ والقوة عبارة عن الإدراك والفهم، والجد والعزم، والتطبيق والعمل، وإلى ذلك يرجع ما قاله المفسرون، كقول ابن أبي نجيح ومجاهد بأنها العمل، وقول أبي العالية إنها الطاعة، وقول قتادة بأنها الجد، والسدى بأنها الجد والاجتهاد، وابن زيد بأنها الصدق والحق، ولا يُعد مثل هذا خلافا كما سبق في المقدمة.
وأكثر المفسرين قالوا بأن جملة ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) معمولة لمحذوف تقديره قائلين، ولم ير ذلك بعضهم لأن الميثاق نفسه قول.
وطبلوا بأن يذكروا ما فيه ليرسخ في نفوسهم حتى يتحول إلى عقيدة في قلوبهم، وشعور في وجدانهم، ونور في بصائرهم، ومنهج لحياتهم، ذلك لأن الذكر منشأ الطاعة والامتثال، والغفلة سبب المعصية والاستخفاف.
والحق أن الذكر أعم من أن يكون باللسان وحدها أو بالقلب وحده، فإن الذكر باللسان سبب لاستقرار المذكور في القلب، والذكر بالقلب هو الذي يترتب عليه ما ذكرته من العزيمة والفهم والتطبيق.
وهذا التلقي لما أنزل الله واجب على كل أمة في كل ما أنزل إليها، وأجدر به من كل الأمم أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام التي خصها الله بأكرم رسول، وأعظم كتاب، وأجمع شريعة، فهي جديرة بأن تترجم ما أنزل الله عليها من الهدى والفرقان ترجمة صادقة شاملة بدقة التطبيق وأبلغ المحافظة، وهذا هو الإيمان الحق بما أنزل الله والقيام التام بحق الكتاب المنزل.