جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٤٠٦

وبداية هذه القصة قوله تعالى: ( وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها ) وإنما قدم اللاحق فيها على السابق رعاية للمقام، فإن ما ذكر من قبل كان نداء على بني إسرائيل بضلال الفكر وسوء التصرف في مواجهة ما يأمرهم به موسى عن الله عز وجل وما يجريه الله على يديه من آيات بينات تنادي بأنه رسول من الله لا ينطق إلا بوحيه ولا يتصرف إلا بأمره، وفي طي ذلك تذكير بآلاء الله الداعية إلى شكره بطاعة أمره والاستجابة لرسوله، وما ذكر هنا لا يختلف عن ها السياق فهو من ناحية خبر عن تعنتهم على نبيهم وإصرارهم على مخالفة أمره حتى فيما هم فيه أحوج ما يكونون إلى الطاعة والامتثال لدرء الفتن عنهم، ومن ناحية أخرى هو تذكير بالنعمة السابغة، وهي وجود المخلص لهم من شر أحاط بهم، فقد روي أن الحادثة المشار إليها – وهي وجو قتيل بين ظهرانيهم لا يعرفون قاتله – دفعت بأسباطهم إلى الفرقة والشقاق، فكان كل سبط يدفع التهمة عن أفراده ويقذف بها في صدر سبط آخر حتى كادوا يتداخلون بالسلاح لولا أن قيض الله من أولي الفطنة منهم من ردهم إلى الاحتكام إلى موسى عليه السلام .

هذا هو رأي جمهور المفسرين في ترتيب القصة، وخالفهم فيه ابن عاشور قائلا: ( لا يخفى أن ما وجهوا به تقديم جزء القصة لا يقتضي إلا تفكيك القصة إلى قصتين تعنون كل واحدة منها بقوله ( وإذ ) مع بقاء الترتيب على أن المذام قد تعرف بحكايتها، والتنبيه عليها بنحو قوله: ( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) وقوله: ( وما كادوا يفعلون ) .

قال: ( فالذي يظهر لي أنهما قصتان أشارت الأولى إلى أمر موسى إياهم بذبح بقرة – إلى أن قال – وكانت القصة الثانية منة عليهم بآية من آيات الله ومعجزة من معجزات رسولهم بينهما الله لهم ليزدادوا إيمانا، ولذلك خُتم بقوله: ( ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) ، وأتبعت بقوله: ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ) .(3)

١٬٢٢٥ / ١٬٤٤٧