جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٤١٠

وهو هنا مصدر بمعنى المفعول أي مهزوءا بنا، وذلك للمبالغة كأنهم اعتبروا أمره لهم بذبح البقرة كجعلهم نفس الهزء لكثرة الاستهزاء بهم حسبما اعتقدوا، وأجيز أن يكون على حذف مضاف أي مكان هزء أو ذوي هزء، وإجابتهم هذه لنبيهم على ما أبلغهم إياه من أمر الله دليل على سوء معتقدهم في أنبيائهم حيث أجازوا عليهم الكذب على الله في مقام التبليغ عنه، وهو اعتقاد لا يجامع الإيمان إذ هو كفر صراح، وإن اعتذر لهم من اعتذر بأن ذلك جرى على ما اعتادوه من فضاضة القول الناشئ عن جفاء الطبع، وأن سببه ما رأوه بأنظارهم القاصرة من التباين بين طلبهم من موسى تعيين القاتل ورده عليهم بأن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة، أو أنهم حسبوا هذا الرد دعابة منه عليه السلام لهم، أو أن في الكلام محذوفا تقديره الله أمرك أن تتخذنا هزوا، أو أنهم قصدوا بالاستفهام الاسترشاد لا الإنكار والعناد .(5)

وهذه المعاذير لا تغني فتيلا، ولا داعي إلى أن أشغل الوقت ببيان زيفها.

وجوابه لهم بقوله: ( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) يقتضي أن الاستهزاء ليس من شأن العقلاء العالمين وإنما هو من شأن السفهاء الجاهلين فكيف يصدر من نبي مرسل في مقام الدعوة إلى الحق وتبليغ أمر الله، وهو وإن أسند إلى الله في قوله: ( الله يستهزئ بهم ) فليس هو على حقيقته وإنما أريد مجازاتهم على استهزائهم كما سبق، واستعاذته عليه السلام من كونه من الجاهلين في هذا المقام مشعرة بأن الجهل لا ينحصر في عدم المعرفة بالشيء أصلا وهو من شأنه أن يعرف، وفي اعتقاده بخلاف ما هو عليه بل يطلق الجهل على الإتيان بالشيء بخلاف ما كان ينبغي إتيانه، لأنه مما لا يصدر عادة من الجاهلين به وصدوره من العارفين به يلحقهم بمصاف الجاهلين، إذ لا تعد الخبرة بالإتقان مع عدمه شيئا.

١٬٢٢٩ / ١٬٤٤٧