جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٤١١

ومراده عليه السلام بالجاهلين هنا الجاهلون بأمر الله الذين يهرفون بما لا يعرفون، فيأتيهم بالهزل في مقام الجد ويلبسون الحق بالباطل، أو الجاهلون بجواب ما سأل عنه بنو إسرائيل من شأن القتيل الذي لم يعلم قاتله، ذلك لأنهم لم تمتد أنظارهم القاصرة إلى بعد خطابه، ولم تصل أفهامهم إلى حقيقة مراده.

وبعد هذا الجواب الجاد انتبهوا إلى أن الأمر بعيد عن الهزل وأدق من أن تدركه مشاعرهم الغليظة، فاستسلموا مع شيء من العناد يتمثل في هذا التقصي في طلب كشف أوصاف البقرة التي أمروا بذبحها، ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ) ، وليس الاستفهام بها هنا عن الماهية، وإنما هو عن أوصافها ذلك لأن ما يستفهم بها عن الصفة كما يستفهم بها عن الماهية، فلو تحدث متحدث عن حاتم فسأله سائل: ما حاتم؟ كان جوابه: كريم، وكذا لو سأل أحد عن الأحنف وهو يعلم أنه من جنس البشر بقوله: ما الأحنف؟ فجوابه: حليم، ولكل شيء أوصاف متعددة يجوز السؤال عن كل نهى بـ (ما )، وقد علم الله الوصف الذي هم قاصدوه بهذا الاستفهام الذي منشؤه حيرتهم، من كون معرفة قاتل ميتهم تكون بإماتة حي من جنس البقر، إذ لا علاقة بين الأمرين حسبما يبدو قبل الإطلاع على سر أمر الله، وتتضاعف هذه الحيرة إن كانوا سمعوا من موسى عليه السلام أن بذلك يتم إحياء الميت المقتول بضربه بجزء من البقرة المذبوحة، فإن تصور حياة ميت بضربه بجزء من ميت آخر لا يكون مع الالتفات إلى طبيعة تأثير الأسباب في مسبباتها، وإنما يحصل ممن آمن إيمانا مطلقا برب الوجود الذي يهيئ ما شاء من الأسباب لما يشاء من لمسببات من غير تقيد بسنة مألوفة ونواميس معروفة، وقد كان استفهامهم عن السن فأجيبوا بقوله: ( إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ).

والفارض ما تعدى سن القوة والفتوة إلى سن الضعف والشيخوخة، وقد يطلق على القديم لو كان أمرا معنويا كقول الشاعر:

١٬٢٣٠ / ١٬٤٤٧