جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٤٣٢

واختلف في المراد بالخشية من قوله سبحانه: ( وإن منها لما تهبط من خشية الله ) فأكثر مفسري السلف ومن تبعهم يرونها خشية حقيقية تكون في الأحجار وغيرها من مخلوقات الله نعجز عن تصور كيفيتها، وذهب بعض السلف وكثير من الخلف إلى أنها ليست حقيقة لأنها في الأصل خوف باعث على اتقاء الخائف سخط المخوف، وحقيقتها الشرعية امتثال الأمر التكليفي لأنها الباعث على الامتثال، ولما تعذر ذلك في الجمادات- حسب رأيهم – حملوه على قبول الأمر التكويني، وجعلوه من باب المجاز المرسل بعلاقة التقييد والإطلاق، أو تمثيلا للهيئة الحاصلة من الجماد عند التكوين بهيئة المكلف حال الامتثال.

وبالغ ابن حزم في كتابه ( الفصل ) في الرد على أصحاب القول الأول مستندا في ذلك إلى أن الخشية ليست إلا نتيجة الإدراك ولا إدراك للجماد، وأن الحجارة – وغيرها من الجمادات – لم تؤمر بشريعة ولا بعقل ولا بعث إليها رسول، وكذب من قال إن للحيوان والجماد تمييزا، وادعى أن العيان يكذب قائل ذلك، وخرج هذه الآية على أحد ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون الضمير في قوله تعالى: ( وإن منها لما يهبط من خشية ) راجعا إلى القلوب المذكورة في صدر الآية في قوله تعالى: ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) ، ومعنى ذلك أن من تلك القلوب القاسية ما يلين فيهبط عن تلك القسوة إلى الرقة فيما زجه الإيمان، وهذا كما يشاهد من تحول الكافر إلى الإيمان، والعاصي إلى الطاعة وقد حصل ذلك في أهل الكتاب كما يقتضيه قوله تعالى: ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ) .

ثانيها: ما ذكرته من قبل عن الذين فسروا الخشية بقبول الأمر التكويني.

١٬٢٥١ / ١٬٤٤٧