جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٠وقد ظل صوت البشارة الإلهية بمبعث خاتم النبيين يتردد في أسماع أهل الكتاب من تلاوة الكتاب الذي أوتوه لم يخفته التحريف الذي شوه وجه ذلك الكتاب، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، متطلعين إلى مبعثه بكل لهفة وشوق، غير أن الحسد بأن كان من ولد إسماعيل ولم يكن من ولد إسرائيل هو الذي حال بينهم وبين إتباعه عندما منّ الله به على الإنسانية.
ونظرا إلى ما كان بأيديهم من الحق الذي أنزله الله على النبيين وقرب عهدهم بالرسالات كان المسلمون يميلون إليهم بأفئدتهم، ويتعاطفون معهم في محنتهم، فلذلك حزن المسلمون عندما ارتد الجيش الرومي النصراني القهقري أمام الزحف الساساني المجوسي، لأن المجوس – وإن قال من قال بأن أصولهم الدينية ترجع إلى وحي سماوي – هم أبعد عهدا بالنبوات وأشد كفرانا من أهل الكتاب – اليهود والنصارى – ولكن المسلمين أصيبوا بصدمة مؤلمة عندما وجدوا أهل الكتاب – وخصوصا اليهود – يقفون في وجه دعوة الحق وقفة عداء لا يقل عن عداء المجوس ومشركي العرب ولم يكتفوا بتجاهل ما عندهم من العلم بنبوته صلى الله عليه وسلم وإنكاره، بل أخذوا يؤلبون عليه المشركين، وعندما سألتهم قريش هل نحن أهدى أو محمد وأصحابه؟ قالوا: بل أنتم أهدى منهم. ( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )(3) ، بعد سرد مناكرهم المتنوعة في قصتهم الطويلة المذكورة من قبل جاءت تسلية المؤمنين في هذه الآية عما كانوا يطمعون فيه من إيمانهم بأسلوب الاستفهام التعجيبي المشوب بالإنكار، أي إذا كانت هذه قصتهم مع النبي الذي أنجاهم الله تعالى به من أشرس عدو، وأراهم على يديه أعجب الآيات، وأسبغ عليهم في ظل دعوته صنوف الآلاء، فكيف تطمعون مع ذلك في إيمانهم؟ وهذا كما تحدث أحدا بمساوئ أحد وبعد استطرادك في تعدادها تخاطب كليمك بقولك أفتطمع مع هذا كله في استقامته وإقلاعه عن غيه.