جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٤٥٠وقوله: ( أفلا تعقلون ) إستفهام إنكاري مراد به التحديث بما فتح الله عليهم، فهو في مقولتهم المحكية، وإن قال بعض أهل التفسير بأنه من مقول الله تعالى الموجه إلى المؤمنين إنكارا لطمعهم في إيمان أولئك، وهو غير سائغ لأنه لم يؤلف في خطاب الله سبحانه لعباده المؤمنين إلا لطف العبارة، ورقة الأسلوب، ولو في مقام العتاب، فلا يتفق فذلك مع تقريعهم بمثل هذا الخطاب العنيف الموحى بأنهم نزلوا منزلة غير العقلاء. كيف ومن بين المخاطبين – لو صح أن الخطاب لهم – سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي بلغ ذروة الكمال العقلي والسمو النفسي؟ على أن المؤمنين لم يدفعهم إلى هذا الطمع في إيمان أهل الكتاب، غير ما هم مجبلون عليه من حب هداية البشر مع ما يعرفونه عن أهل الكتاب من مزايا إختصوا بها كعلم النبوات وتوفر البشائر عندهم بمبعث خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والتسليم .
وقوله: ( أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) إنكار لما ذكر عنهم من التلون في حال ملاقاة المؤمنين وخلوهم إلى أخوانهم من الكافرين بحيث يلقون هؤلاء بوجه وأولئك بآخر فإن هذا التصرف من شأنه أن لا يصدر إلا ممن يظن أن حيلته ومكره يحولان بين ما هم آتوه وعلم الله سبحانه، وإذا كانوا من ضلال الفكر وزيغ العقيدة بحيث يحسبون أن الله سبحانه تخفى عليه الخوافي من أعمالهم بسبب تحريفهم للكتاب، ووصفهم الحق تعالى بما لا يليق بعظم جلاله وعلو شأنه، فإن آيات الله في أنفسهم وفيما حولهم من مخلوقاته تنادي عليهم بالإفك، وتشهد عليهم بالضلال، فلو ألقوا نظرة إلى شيء منها لأدركوا أن الله سبحانه يعلم السريرة كالعلانية، ويحيط بالجزئيات كالكليات، فلا مفر لهم منه، ولا مناص لهم عن عقابه، فهو سبحانه يعلم ما يسرونه من الكفر كما يعلم ما يظهرونه من دعاوى الإيمان.